متحف الأيام المفقودة 84

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقودَة
الفَصلُ الرَّابِعُ وَالثَّمانونَ — الصَّيَّادُ الوَحيد – الطَّبيعَةُ تُعَلِّمُ ذاكِرَةً لا تُكتَبُ وَلا تُنسى – ذَكَرٌ، سِتُّونَ عاماً — بَحرُ الصِّينِ الجَنوبِيِّ، ٢٠٠٠م
________________________________________
كانَت رائِحَةُ الغُرفَةِ مِلحاً.
لَيسَ المِلحَ المَصطَنَعَ الَّذي يَضَعُهُ النَّاسُ في مَطابِخِهِم — بَل مِلحٌ حَقيقيٌّ، ثَقيلٌ وَقَديم، كَأَنَّ الجُدرانَ نَفسَها تَنضَحُ بِهِ، كَأَنَّها أَمضَت عُقوداً تَشرَبُ الهَواءَ البَحريَّ حَتَّى أَصبَحَ نَسيجَها لا طِلاءَها.
وَفي المَنتَصَف، عَلى مِقعَدٍ خَشَبيٍّ مُتَآكِلِ الحَوافِّ، جَلَسَ رَجُلٌ في السِّتِّينَ مِن عُمرِهِ يُصلِحُ شَبَكَةَ صَيدٍ.
كانَت أَصابِعُهُ تَعمَلُ وَحدَها.
لا تَترَدَّد، وَلا تَتَساءَل، وَلا تَنتَظِرُ أَمراً مِنَ العَقلِ — أَصابِعُ تَعمَلُ باستِقلالِيَّةٍ مُكتَسَبَةٍ مِن عُقودٍ طَويلَة، كَأَنَّها تَحمِلُ ذاكِرَتَها الخاصَّةَ المُنفَصِلَةَ عَن ذاكِرَةِ الرَّجُل.
وَجهُهُ كانَ مَحروقاً بِالشَّمسِ بِطَبَقات، كُلُّ طَبَقَةٍ تَرصُدُ سَنَة، كَأَنَّهُ وَجهٌ قَرَأَهُ البَحرُ طَويلاً وَتَرَكَ فيهِ قِراءَتَه.
لَم يَتَوَقَّف عَن الشَّبَكَةِ حينَ دَخَلَ سامِر.
أَشارَ بِرَأسِهِ فَقَط: اجلِس.
________________________________________
جَلَسَ سامِرٌ وَنَظَرَ إِلى الأَصابِعِ الَّتي تَتَحَرَّكُ بِإيقاعٍ لَهُ مَنطِقُهُ الخاص.
قالَ: «تَعمَلُ وَأَنتَ تَتَحَدَّث؟»
قالَ الصَّيَّادُ دونَ أَن يَرفَعَ رَأسَه: «الشَّبَكَةُ لا تَنتَظِر.»
ثُمَّ: «وَالكَلامُ لا يَحتاجُ يَدَينِ فارِغَتَين.»
قالَ سامِر: «كَم سَنَةً وَأَنتَ عَلى البَحر؟»
قالَ الصَّيَّادُ بِلَهجَةِ مَن يُجيبُ عَلى سُؤالٍ لَم يَفكِّر فيهِ مِن قَبلٍ لِأَنَّ الجَوابَ بَديهيٌّ كَالنَّفَس: «مُنذُ الثَّانِيَةِ عَشرَة.»
ثُمَّ: «قَبلَها كُنتُ أُراقِبُ أَبي.»
ثُمَّ: «قَبلَها كُنتُ أُراقِبُ جَدِّي.»
ثُمَّ: «يَعني البَحرُ مَعي مُنذُ أَن كانَ لي ذاكِرَة.»
فَكَّرَ سامِر في هذا.
البَحرُ لَيسَ مَكاناً يَذهَبُ إِليهِ هذا الرَّجُل — إِنَّهُ الخَلفِيَّةُ الَّتي تَكَوَّنَت عَلَيها كُلُّ ذِكرياتِه.
مِثلَما يَكونُ الصَّوتُ الأَوَّلُ الَّذي يَسمَعُهُ الطِّفلُ لا ذِكرىً مُحَدَّدَةً في ذاكِرَتِهِ بَل الهَواءَ الَّذي تَشكَّلَت فيهِ كُلُّ الذِّكرياتِ التَّالِيَة.
قالَ سامِر: «وَهَل تَعِبتَ مِنهُ يَوماً؟»
رَفَعَ الصَّيَّادُ رَأسَهُ لِلمَرَّةِ الأُولى وَنَظَرَ إِلى سامِرٍ بِنَظرَةِ مَن يَسمَعُ سُؤالاً لَم يَخطُر بِبالِهِ مِن قَبل.
قالَ: «البَحرُ لا يُتعَبُ مِنه.»
ثُمَّ، بِوُضوحٍ هادِئ: «يُتعَبُ مِنهُ مَن يُحاوِلُ السَّيطَرَةَ عَليه.»
ثُمَّ: «مَن يَتَعَلَّمُ أَن يَقرَأَهُ — يَستَريحُ فيه.»
________________________________________
قالَ سامِر: «قِراءَةُ البَحرِ — ماذا تَعني؟»
أَعادَ الصَّيَّادُ نَظَرَهُ إِلى الشَّبَكَةِ، وَأَصابِعُهُ لا تَزالُ تَعمَل.
قالَ: «تَعني أَن تَعرِفَ ما لا يُكتَب.»
ثُمَّ: «لَونُ الماءِ يُخبِرُكَ بِعُمقِ القاع.»
ثُمَّ: «حَرَكَةُ الطُّيورِ تُخبِرُكَ بِمَكانِ السَّمَك.»
ثُمَّ: «اتِّجاهُ الرِّيحِ يُخبِرُكَ بِما سَيَأتي قَبلَ أَن تَراه.»
ثُمَّ، بِنَبرَةٍ تَحمِلُ قَناعَةً مُتَمَهِّلَة: «هذِهِ مَعرِفَةٌ لا يوجَدُ كِتابٌ يَحمِلُها كامِلَة.»
قالَ سامِر: «لِماذا لا تُكتَب؟»
قالَ الصَّيَّادُ: «لِأَنَّها تَعتَمِدُ عَلى الحُضورِ اللَّحظِيّ.»
ثُمَّ، بِمِثالٍ مُحَدَّد: «اللَّونُ الَّذي يَعنيهِ في هذا الصَّباحِ بِهذا الضَّوءِ قَد لا يَعني نَفسَ الشَّيءِ في الظَّهيرَة.»
ثُمَّ: «الكِتابُ يُجَمِّدُ المَعرِفَة.»
ثُمَّ: «البَحرُ يُعَلِّمُكَ أَنَّها سائِلَة.»
________________________________________
هُناكَ نَوعانِ مِنَ المَعرِفَةِ يَصِفُهُما الفَيلَسوفُ البَريطانيُّ مايكل پوُلانْي بِمُصطَلَحَيهِ الشَّهيرَين.
المَعرِفَةُ الصَّريحَةُ — وَهيَ ما يُمكِنُ قَولُهُ وَكِتابَتُهُ وَنَقلُهُ عَبرَ الكُتُبِ وَالتَّعليمِ الرَّسمِيّ.
وَالمَعرِفَةُ الضِّمنِيَّةُ — وَهيَ ما يَعرِفُهُ الإِنسانُ دونَ أَن يَستَطيعَ شَرحَهُ كامِلاً، ما يَكمُنُ في الجَسَدِ وَالحَواسِّ وَالعادَةِ وَالمُمارَسَةِ الطَّويلَة.
الصَّيَّادُ يَعرِفُ أَشياءَ لا يَستَطيعُ نَقلَها بِالكِتابَة — لَيسَ لِأَنَّهُ لا يَعرِفُ كَيفَ يَكتُب، بَل لِأَنَّ ما يَعرِفُهُ يَسكُنُ في أَصابِعِهِ وَفي أَنفِهِ وَفي الطَّريقَةِ الَّتي يُمَيِّزُ بِها تَلقائِيَّاً بَينَ تَحَرُّكِ الماءِ الَّذي يَعني سَمَكاً وَتَحَرُّكِ الماءِ الَّذي لا يَعني شَيئاً.
وَهذا النَّوعُ مِنَ المَعرِفَةِ لَيسَ مُقتَصِراً عَلى الصَّيَّادين.
الطَّبيبُ الخَبيرُ يَعرِفُ مِن نَظرَةٍ أُولى أَنَّ المَريضَ لَيسَ بِخَيرٍ دونَ أَن يَستَطيعَ دائِماً تَفسيرَ ما رَآه.
الأُمُّ تَعرِفُ مِن بُكاءِ طِفلِها إِن كانَ جائِعاً أَو مُتَعَبَاً أَو خائِفاً.
النَّجَّارُ القَديمُ يَعرِفُ مِن صَوتِ الطَّرقِ إِن كانَ المِسمارُ يَسيرُ في الاتِّجاهِ الصَّحيحِ أَو لا.
كُلُّ هذِهِ مَعرِفَةٌ لا تُنقَلُ بِالكَلامِ وَحدَه.
________________________________________
قالَ سامِر: «وَكَيفَ تَنتَقِلُ هذِهِ المَعرِفَة؟»
قالَ الصَّيَّادُ: «بِالمُرافَقَةِ فَقَط.»
ثُمَّ، بِذِكرى تَبدو حاضِرَةً رَغمَ قِدَمِها: «حينَ أَخَذَني أَبي مَعَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ لَم يَشرَح لي شَيئاً.»
ثُمَّ: «جَلَستُ وَراقَبت.»
ثُمَّ: «وَبَعدَ أَسابيعَ بَدَأتُ أَرى ما كانَ يَراه.»
ثُمَّ، بِنَبرَةِ مَن يَصِفُ شَيئاً رَآهُ لا شَيئاً تَعَلَّمَهُ: «المَعرِفَةُ انتَقَلَت بِالوُجودِ المُشتَرَكِ لا بِالكَلام.»
هذا ما يُسَمِّيهِ بَعضُ الأَنثروبولوجيِّينَ بِالتَّعَلُّمِ الضِّمنيِّ أَو التَّعَلُّمِ بِالمُلاحَظَة.
الطِّفلُ الَّذي يَنشَأُ في بَيتٍ تَملؤُهُ الموسيقى لا يَتَعَلَّمُ الإيقاعَ مِن دُروسٍ نَظَرِيَّةٍ — يَتَعَلَّمُهُ مِن أَنَّ أُذُنَيهِ أَمضَتا طُفولَتَهُ تَسمَعانِ.
الفَتاةُ الَّتي تَنشَأُ في مَطبَخٍ تَطبُخُ فيهِ جَدَّتُها لا تَتَعَلَّمُ الطَّهيَ مِن وَصفَةٍ مَكتوبَة — تَتَعَلَّمُهُ مِن رائِحَةٍ عَرَفَت تَمييزَها مُنذُ أَن كانَت في الثَّالِثَةِ مِن عُمرِها.
وَابنُ الصَّيَّادِ الَّذي جَلَسَ صَغيراً وَراءَ أَبيهِ ساعاتٍ طَويلَةً في قارِبٍ لا يَحمِلانِ كَلاماً — يَتَعَلَّمُ البَحرَ بِطَريقَةٍ لَن يَتَعَلَّمَها أَبَداً مَن قَرَأَ عَنهُ في كِتاب.
________________________________________
قالَ سامِر: «هَل تَشعُرُ أَنَّ هذا النَّوعَ مِنَ المَعرِفَةِ في خَطَر؟»
توَقَّفَت أَصابِعُ الصَّيَّادِ للَحظَةٍ.
ثُمَّ أَكمَلَت وَقد أَجابَ: «الأَبناءُ يَذهَبونَ إِلى المُدُن.»
ثُمَّ: «يَدرُسونَ في جامِعات.»
ثُمَّ: «هذا جَيِّد.»
ثُمَّ، بِبُطءٍ أَعمَق: «لكِن حينَ لا يَأتي أَحَدٌ مَعي إِلى البَحرِ — مَن يَحمِلُ ما أَعرِفُه؟»
ثُمَّ: «الأَجهِزَةُ الحَديثَةُ تُعطيكَ إِحداثِيَّاتٍ لكِنَّها لا تُعطيكَ رائِحَةَ الرِّيحِ قَبلَ العاصِفَة.»
قالَ سامِر: «رائِحَةُ الرِّيحِ قَبلَ العاصِفَة؟»
رَفَعَ الصَّيَّادُ رَأسَهُ مَرَّةً أُخرى كَأَنَّهُ يَتَذَكَّرُ شَيئاً تَتَذَكَّرُهُ الرِّئتانِ قَبلَ العَقل.
قالَ: «هُناكَ رائِحَةٌ بِعَينِها تَأتي قَبلَ عاصِفَةِ الجَنوبِ بِساعَتَين.»
ثُمَّ: «لا جِهازَ يَقيسُها.»
ثُمَّ: «الجَسَدُ يَعرِفُها.»
ثُمَّ: «وَهذِهِ المَعرِفَةُ إِن لَم تَنتَقِل لِأَحَدٍ تَموتُ مَعي.»
سَكَتَ سامِر.
كانَ يُفَكِّرُ في كَمِّ المَعرِفَةِ الَّتي ماتَت مَعَ مَن ماتوا قَبلَ أَن يَجِدَ أَحَدٌ وَقتاً لِيَجلِسَ مَعَهُم.
مَعرِفَةُ شَيخِ القَبيلَةِ بِمَواضِعِ الماءِ في الصَّحراء.
مَعرِفَةُ العَجوزِ بِأَصنافِ النَّباتاتِ البَرِّيَّةِ الَّتي تُداوي وَالَّتي تَقتُل.
مَعرِفَةُ الخَيَّاطَةِ الَّتي قَضَت سِتِّينَ سَنَةً تَفهَمُ القُماشَ حَتَّى أَصبَحَت أَصابِعُها تَقرَأُ ما لا تَراهُ العَين.
كُلُّ هذِهِ مَعرِفَةٌ لَيسَت في المَكتَباتِ وَلَيسَت في الإِنترنِت — إِنَّها في الأَجسادِ وَالحَواسِّ وَالعاداتِ الَّتي تَمشي مَعَ أَصحابِها حَتَّى آخِرِ خَطوَة.
________________________________________
قالَ سامِر: «هَل يُقلِقُكَ هذا؟»
قالَ الصَّيَّادُ بِلا مُرارَة: «أُفَكِّرُ فيه.»
ثُمَّ: «لكِنَّ القَلَقَ لا يُنتِجُ سَمَكاً.»
ثُمَّ: «ما أَستَطيعُ فِعلَهُ هوَ أَن أَبقى مَوجوداً وَأَن أُفتَحَ البابَ لِمَن يُريدُ أَن يَتَعَلَّم.»
ثُمَّ: «البَقِيَّةُ لَيسَت بِيَدِي.»
كانَت هذِهِ حِكمَةً مِن نَوعٍ مُختَلِف.
لَيسَت الحِكمَةَ الَّتي تَدَّعي الإِجابَةَ عَلى كُلِّ سُؤال — بَل حِكمَةُ مَن يَعرِفُ حُدودَ ما يَملِكُه وَيَعمَلُ داخِلَ تِلكَ الحُدودِ دونَ أَن يُضيعَ طاقَتَهُ في الحَنينِ إِلى ما لا يَستَطيعُ تَغييرَه.
هُناكَ جُملَةٌ شَهيرَةٌ تُنسَبُ إِلى عِدَّةِ فَلاسِفَةٍ وَرِجالِ دِينٍ وَفَلاسِفَةِ حياةٍ عَبرَ التَّاريخِ تَقول: مَيِّز بَينَ ما تَستَطيعُ تَغييرَهُ وَما لا تَستَطيع، وَاصرِف طاقَتَكَ في الأَوَّل، وَأَفلِح في الأَخيرِ بِالقَبول.
هذا الصَّيَّادُ لَم يَقرَأها في كِتاب — وَصَلَ إِلَيها مِن خِلالِ عُقودٍ مَضَت في مُواجَهَةِ بَحرٍ لا يَخضَعُ لِأَيِّ إِرادَةٍ إِنسانِيَّة.
________________________________________
قالَ سامِر: «البَحرُ وَالذَّاكِرَةُ — كَيفَ تَربُطُ بَينَهُما؟»
أَوقَفَ الصَّيَّادُ يَدَيهِ للَحظَةٍ كَأَنَّ السُّؤالَ يَستَحِقُّ وَقفَةً.
ثُمَّ قالَ: «البَحرُ لا يَتَذَكَّرُ بِالطَّريقَةِ الَّتي يَتَذَكَّرُ بِها الإِنسان.»
ثُمَّ: «لكِنَّهُ يَحمِلُ كُلَّ شَيء.»
ثُمَّ: «المُلوحَةُ الَّتي فيهِ الآنَ هيَ مُلوحَةُ مَلايينِ السِّنين.»
ثُمَّ: «الحَرَكَةُ الَّتي فيهِ هيَ أَصداءُ عَواصِفَ حَدَثَت قَبلَ أَن يُولَدَ جَدِّي.»
ثُمَّ، بِنَبرَةٍ فيها شَيءٌ يُشبِهُ الدَّهشَةَ المُتَأَمِّلَة: «البَحرُ ذاكِرَةٌ لكِنَّهُ لا يَحكيها — يَكونُها.»
قالَ سامِر: «الذَّاكِرَةُ كَوُجودٍ لا كَحِكايَة.»
قالَ الصَّيَّادُ: «نَعَم.»
ثُمَّ: «وَهذا نَوعٌ آخَرُ مِنَ الذَّاكِرَةِ لا نُعطيهِ اسماً في العادَة.»
ثُمَّ، بِأَمثِلَةٍ تَتَتالى كَأَمواجٍ: «الجَبَلُ يَتَذَكَّرُ كُلَّ زَلزالٍ مَرَّ مِنه.»
ثُمَّ: «النَّهرُ يَتَذَكَّرُ كُلَّ فَيَضانٍ في شَكلِ مَجراه.»
ثُمَّ: «المَكانُ يَحمِلُ ذاكِرَةً لا يُعَبِّرُ عَنها بِكَلِمات.»
________________________________________
فَكَّرَ سامِر في هذا الوَصفِ الَّذي يَمتَدُّ أَبعَدَ مِمَّا تَبلُغُهُ لُغَتُنا العادِيَّة.
نَحنُ نَقولُ عَن الذَّاكِرَةِ إِنَّها ما يَحمِلُهُ الإِنسانُ عَن الماضي — أَحداثٌ وَوُجوهٌ وَمَشاعِرُ يَستَطيعُ استِرجاعَها حينَ يُريد.
لكِنَّ الصَّيَّادَ يَتَحَدَّثُ عَن شَيءٍ آخَر.
يَتَحَدَّثُ عَن الطَّريقَةِ الَّتي يُشَكِّلُ بِها الماضيُ الحاضِرَ دونَ أَن يَدَّعيَ الكَلامَ عَنهُ.
الوادي الَّذي حَفَرَهُ النَّهرُ عَبرَ آلافِ السِّنينَ لا «يَتَذَكَّرُ» النَّهرَ بِالمَعنى الَّذي نَتَذَكَّرُ بِهِ نَحن — لكِنَّ شَكلَهُ هوَ الذَّاكِرَةُ الحَيَّةُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَرَّ فيها الماء.
وَالأَثَرُ في الصَّخرَةِ لا يَحكي العاصِفَةَ — بَل هوَ العاصِفَةُ مُتَجَسِّدَةً في الزَّمَنِ الرَّاهِن.
قالَ سامِر: «وَأَنتَ تَحمِلُ ذاكِرَةَ المَكانِ فيك؟»
قالَ الصَّيَّادُ بِثِقَةٍ هادِئَةٍ لا تَحتاجُ إِثباتاً: «أَنا جُزءٌ مِنَ البَحرِ بِهذا المَعنى.»
ثُمَّ، وَفيهِ شَيءٌ يُشبِهُ الامتِنانَ لا الافتِخار: «وَهذا لا يُقلِقُني — يُريحُني.»
ثُمَّ: «أَنا لَستُ وَحيداً في هذا القارِبِ حَتَّى حينَ لا يَكونُ مَعي أَحَد.»
________________________________________
رَفَعَ الصَّيَّادُ الشَّبَكَةَ وَفَحَصَ إِصلاحَهُ بِعَينَينِ تَقرَآنِ ما لا تَقرَأُهُ أَكثَرُ العُيون.
مَدَّها بِيَدَيهِ كَأَنَّهُ يَقيسُ شَيئاً لا يُقاسُ بِمِسطَرَة — التَّوَتُّرَ المُتَساويَ بَينَ العُقَدِ، المَرونَةَ الَّتي تَعني صَموداً وَلَيسَ هَشاشَة، الثِّقلَ المُناسِبَ الَّذي يَجعَلُها تَغوصُ إِلى العُمقِ الصَّحيح.
قالَ سامِر: «هَل مَرَرتَ بِيَومٍ ضاعَ مِنكَ في البَحرِ؟ يَومٌ لا تَتَذَكَّرُه؟»
توَقَّفَ الصَّيَّادُ عَن فَحصِ الشَّبَكَة.
نَظَرَ إِلى مَكانٍ لَيسَ في الغُرفَة.
قالَ: «مَرَّةً كُنتُ في البَحرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ في عاصِفَة.»
ثُمَّ: «لا أَتَذَكَّرُ اليَومَ الثَّانيَ مِنها تَقريباً.»
ثُمَّ: «الأَوَّلُ كانَ خَوفاً.»
ثُمَّ: «الثَّالِثُ كانَ إِرهاقاً وَخَلاصاً.»
ثُمَّ، بِنَبرَةٍ لا تَخلو مِن دَهشَةٍ هادِئَةٍ مِن نَفسِهِ: «الثَّاني — البَحرُ يَعرِفُهُ لكِنَّني لا.»
قالَ سامِر: «وَهَل يُقلِقُكَ ذلِك؟»
قالَ الصَّيَّادُ بِبَساطَةٍ تَحمِلُ سَكينَةً حَقيقِيَّة: «لا.»
ثُمَّ: «لِأَنَّ البَحرَ كانَ يَعتَني بي في ذلِكَ اليَوم.»
ثُمَّ: «وَأَنا وَصَلت.»
ثُمَّ، بِوُضوحٍ فيهِ شَيءٌ يُشبِهُ الحِكمَةِ المُجَرَّبَة: «ما لا تَتَذَكَّرُهُ لَم يَمنَعكَ مِنَ الوُصولِ — هذا يَكفي.»
________________________________________
قامَ سامِر.
نَظَرَ إِلى الشَّبَكَةِ المُصلَحَةِ الَّتي كانَت مَمدودَةً كَأَنَّها جاهِزَةٌ لِلبَحر.
قالَ: «شُكراً.»
قالَ الصَّيَّادُ بِلَهجَةِ مَن يُودِّعُ بِنَصيحَةٍ لا بِكَلام: «إِن ذَهَبتَ إِلى البَحرِ يَوماً — اجلِس فَقَط وَانظُر.»
ثُمَّ: «لا تُحاوِل أَن تَفهَمَ كُلَّ شَيءٍ مِن أَوَّلِ جَلسَة.»
ثُمَّ: «البَحرُ يُعطي مَعرِفَتَهُ لِمَن يَصبِر.»
________________________________________
وَخَرَجَ سامِر مِن غُرفَةِ رائِحَةِ المِلحِ وَالشَّبَكَةِ وَالأَصابِعِ الَّتي تَعرِفُ أَكثَرَ مِمَّا يَعرِفُ صاحِبُها.
كانَ يَمشي في المَمَرِّ وَيُفَكِّر.
كانَ يُفَكِّرُ في اليَومِ السَّابِعِ عَشَرَ مِن تِشرينَ الأَوَّل.
اليَومُ الَّذي جاءَ إِلى هذا المُتحَفِ يَبحَثُ عَنه.
اليَومُ الَّذي ظَلَّ طَويلاً يَشعُرُ بِأَنَّ غِيابَهُ مِن ذاكِرَتِهِ يَعني نَقصاً في نَفسِهِ وَثَغرَةً في هُويَّتِه.
رُبَّما ذلِكَ اليَومُ كانَ كَاليَومِ الثَّاني مِنَ العاصِفَةِ — البَحرُ يَعرِفُهُ وَإِن لَم يَعرِفهُ هو.
رُبَّما ما حَدَثَ في ذلِكَ اليَومِ مَوجودٌ في مَكانٍ ما، يَحمِلُهُ شَيءٌ لا يَتَكَلَّمُ — كَما يَحمِلُ البَحرُ عَواصِفَهُ دونَ أَن يَحكيَها.
وَرُبَّما حَقيقَةُ وُصولِهِ — إِلى هذا المَكانِ، إِلى هذا اللَّحظَة، إِلى هذا التَّساؤُلِ ذاتِه — هيَ الدَّليلُ الكافي عَلى أَنَّ ما لا يَتَذَكَّرُهُ لَم يَمنَعهُ مِنَ الوُصول.
وَهذا يَكفي.
توَقَّفَ سامِرُ في المَمَرِّ وَأَغمَضَ عَينَيهِ لَحظَة.
رآهُ المُرشِدُ العَجوزُ يَنتَظِرُ عِندَ طَرَفِ المَمَرِّ بِسُكونٍ يَحمِلُ شَيئاً مِن سُكونِ البَحرِ في أَيَّامِهِ الهادِئَة.
لَم يَسأَل.
وَلَم يُجِب.
فَقَط تَحَرَّكَ بِبُطءٍ نَحوَ الغُرفَةِ التَّالِيَة، وَتَبِعَهُ سامِرُ كَما يَتبَعُ مَن يَثِقُ بِالطَّريقِ حَتَّى حينَ لا يَرى نِهايَتَه.

متحف الأيام المفقودة 85