يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 05

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: الْمِحْنَةُ — حِينَ دَفَعَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثَمَنَ الاسْتِقْلَالِ
“وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” ـ آل عِمْرَان: ١٣٩
أَوَّلاً: بَغْدَادُ — السَّنَةُ مِئَتَانِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ
لَمْ يَكُنِ السِّجْنُ بَارِداً فَحَسْبُ.
كَانَ لَهُ صَوْتٌ.
صَوْتُ الْحِجَارَةِ الَّتِي تَتَنَفَّسُ بِرُطُوبَةِ اللَّيْلِ — ذَلِكَ النَّفَسُ الثَّقِيلُ لِلأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَتَنَفَّسُ إِلَّا حِينَ يَنَامُ مَنْ يَسْكُنُهَا.
صَوْتُ الْمَاءِ يَقْطُرُ مِنْ مَكَانٍ لَا يُرَى — قَطَرَاتٌ مُنْتَظِمَةٌ كَعَدِّ الزَّمَنِ.
صَوْتُ الصَّمْتِ الْمَسْكُونِ بِأَصْوَاتٍ أُخْرَى — رِجَالٌ فِي زَنَازِينَ أُخْرَى، بَعْضُهُمْ يَنَامُ وَبَعْضُهُمْ لَا يَسْتَطِيعُ،
وَبَعْضُهُمْ نَسِيَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ.
كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الرَّابِعَةِ وَالْخَمْسِينَ.
جَسَدُهُ كَانَ يَحْمِلُ آثَارَ الْجَلْدِ — لَيْسَ جَلْدَ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ،
بَلْ جَلْدَ أَيَّامٍ مُتَرَاكِمَةٍ،
كُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا يُسْأَلُ فِيهِ السُّؤَالُ ذَاتُهُ:
“أَتَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ؟”
وَكُلُّ يَوْمٍ يُجِيبُ بِالْجَوَابِ ذَاتِهِ:
“لَا.”
“كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ — تَكَرَّرَتِ الْمَسْأَلَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ،
وَامْتَدَّتِ الْمِحْنَةُ ثَلَاثَ سَنَوَات.
سَنَوَاتٍ مِنَ الاسْتِجْوَابِ وَالأَذَى.
وَفِي تِلْكَ الْكَلِمَةِ كَانَ كُلُّ مَا بَنَاهُ مِنَ الْفِقْهِ وَكُلُّ مَا وَرِثَهُ مِنَ الأَحَادِيثِ وَكُلُّ مَا عَاشَهُ مِنَ الصَّبْرِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَبَداً غِيَابَ الأَلَمِ بَلْ كَانَ دَائِماً الاخْتِيَارَ رَغْمَهُ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَانَ مَعَهُ فِي الزِّنْزَانَةِ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ فَقِيهاً.
كَانَ رَشِيداً الْحَدَّادَ — الْحَدَّادُ الَّذِي صَنَعَ السُّيُوفَ لِجُنُودِ الْخَلِيفَةِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً،
وَزُجَّ بِهِ هُنَا لأَنَّهُ قَالَ فِي السُّوقِ ذَاتَ يَوْمٍ كَلَاماً اعْتُبِرَ إِهَانَةً لِلسُّلْطَةِ.
كَلَامٌ عَنِ الضَّرِيبَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ عَادِلَةً — قَالَهُ لأَنَّهُ رَآهُ حَقًّا،
دُونَ أَنْ يَحْسُبَ أَنَّ الْحَقَّ أَحْيَاناً يُكَلِّفُ.
لَمْ يَكُنْ رَشِيدٌ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَصْمُتُ.
قَالَ لأَحْمَدَ فِي الظَّلَامِ — بِصَوْتِ رَجُلٍ اعْتَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَوْقَ أَصْوَاتِ الْمَطَارِقِ،
وَالصَّمْتُ الظَّالِمُ لَا يُرْهِبُهُ كَمَا لَا تُرْهِبُهُ النَّارُ:
— أَنْتَ تُجْلَدُ مِنْ أَجْلِ كَلِمَةٍ.
— مِنْ أَجْلِ حَقٍّ.
— الْحَقُّ وَالْكَلِمَةُ هُنَا وَاحِدٌ؟
— حِينَ تَكُونُ الْكَلِمَةُ هِيَ الْحَقَّ — نَعَمْ.
فَكَّرَ رَشِيدٌ — بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُفَكِّرُ بِهَا مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ الْفَلْسَفَةَ فَيَسِيرُ مُبَاشِرَةً إِلَى جَوْهَرِ الْأَمْرِ:
— أَنَا زُجَّ بِي هُنَا لأَنَّنِي قُلْتُ كَلِمَةً أَيْضاً.
لَكِنَّ كَلِمَتِي لَمْ تَكُنْ عَنِ الْقُرْآنِ.
— عَمَّ كَانَتْ؟
— قُلْتُ إِنَّ الْوَالِيَ أَخَذَ ضَرِيبَةً لَمْ يَسْتَحِقَّهَا.
وَهَذَا حَقٌّ وَاضِحٌ رَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ.
لَكِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ قَوْلِي إِهَانَةٌ لِلسُّلْطَةِ.
صَمَتَ أَحْمَدُ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَأَنْتَ — هَلْ سَتَتَرَاجَعُ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ رَشِيدٌ فِي الظَّلَامِ بِمَا يَكْفِي مِنَ الضَّوْءِ لِيُرَى فِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الدَّهْشَةَ الصَّادِقَةَ — دَهْشَةَ مَنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّ السُّؤَالَ يُمْكِنُ طَرْحُهُ:
— لِمَاذَا أَتَرَاجَعُ عَنِ الْحَقِّ؟
قَالَ أَحْمَدُ بِبُطْءٍ — بِبُطْءِ مَنْ يَتَأَمَّلُ الإِجَابَةَ الَّتِي أَتَتْ بِهَذِهِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي أَحْيَاناً تَكُونُ أَعْمَقَ مِنَ التَّكَلُّفِ الْفَلْسَفِيِّ:
— إِذاً نَحْنُ فِي نَفْسِ الْمَكَانِ لِنَفْسِ السَّبَبِ.
— أَيِّ سَبَبٍ؟
— رَفْضِ أَنْ يُقَالَ لَنَا:
الْحَقُّ مَا نَقُولُهُ نَحْنُ.
وَمَنْ لَا يَقُولُ مَا نَقُولُهُ فَهُوَ ضِدُّ الْحَقِّ.
ثَانِياً: قَاعَةُ الاسْتِجْوَابِ — الْفَجْرُ
أَحْضَرُوهُ قَبْلَ الْفَجْرِ.
هَذِهِ كَانَتْ عَادَتَهُمْ” وَ” هَكَذَا دَأَبُوا— الاسْتِجْوَابُ قَبْلَ الْفَجْرِ،
حِينَ يَكُونُ الْجَسَدُ فِي أَضْعَفِ حَالَاتِهِ وَالرُّوحُ فِي أَكْثَرِ لَحَظَاتِهَا عُرْضَةً لِلتَّذَبْذُبِ.
لَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا — أَوْ عَرَفُوا وَلَمْ يَهْتَمُّوا — أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يَقُومُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ مُنْذُ عُقُودٍ.
الْفَجْرُ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ بِدَايَةَ الْيَوْمِ — كَانَ ذُرْوَةَ الْيَقَظَةِ،
اللَّحْظَةَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا أَكْثَرَ نَفْسِهِ.
جَلَسَ أَمَامَهُ ثَلَاثَةٌ.
فِي الْوَسَطِ كَانَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُوَادٍ — رَجُلٌ ذَكِيٌّ وَخَطِيرٌ كَانَ مُؤمِناً بِرَأيِهِ حَقاً، بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الذَّكَاءُ خَطِيراً حِينَ يُوَظَّفُ كَامِلاً فِي خِدْمَةِ مَوْقِفٍ مُسْبَقٍ لَا تُغَيِّرُهُ الأَدِلَّةُ لأَنَّهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَيْهَا أَصْلاً.
عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبٌ يُسَجِّلُ.
عَنْ يَسَارِهِ رَجُلٌ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ — صَمَتَ طَوَالَ الْجَلْسَةِ وَنَظَرَ فَقَطْ، وَالنَّظَرُ مِنَ الإِنْسَانِ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ أَحْيَاناً أَكْثَرُ إِيلَاماً مِنَ الاتِّهَامِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي دُوَادٍ بِنَبْرَةِ مَنْ يَبْدَأُ مُحَادَثَةً لَا اسْتِجْوَاباً — تِلْكَ الْحِيلَةُ الَّتِي تَجْعَلُ الْمُسْتَجْوَبَ يَنْسَى أَنَّهُ يُسْتَجْوَبُ:
— يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ.
أَنْتَ رَجُلُ عِلْمٍ.
وَنَحْنُ نَحْتَرِمُ الْعِلْمَ.
وَلِهَذَا جَلَسْنَا مَعَكَ مَرَّاتٍ وَسَنَجْلِسُ.
لَمْ يَرُدَّ أَحْمَدُ.
— الْمَسْأَلَةُ بَسِيطَةٌ.
الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَصِمُ يُرِيدُ تَوْحِيدَ الأُمَّةِ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ.
وَالرَّأْيُ الَّذِي يَقُولُهُ الْعَقْلُ وَالْفَلَاسِفَةُ الْمُسْلِمُونَ هُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ.
لأَنَّ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ صِفَةٌ تَخُصُّ اللهَ وَحْدَهُ.
تَوَقَّفَ.
— وَأَنْتَ — بِمَوْقِفِكَ — تَجْعَلُ الْخِلَافَ يَسْتَمِرُّ.
وَالْخِلَافُ فِتْنَةٌ.
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ أَخِيراً — بِصَوْتٍ لَيْسَ فِيهِ عِنَادٌ بَلْ فِيهِ وُضُوحُ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صِيَاغَةِ مَوْقِفِهِ مِنْ جَدِيدٍ لأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَنْ يَتَغَيَّرَ:
— لَمْ أَقُلْ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ لأَنَّنِي لَمْ أَجِدْ نَصًّا يَقُولُ ذَلِكَ.
وَلَمْ أَقُلْ إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِهَذِهِ الصِّيَاغَةِ لأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِيهَا.
وَمَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ السَّلَفُ لَا أَتَكَلَّمُ فِيهِ — لأَنَّ صَمْتَهُمْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ.
— هَذَا تَهَرُّبٌ.
— هَذَا وَرَعٌ.
ضَغَطَ ابْنُ أَبِي دُوَادٍ شَفَتَيْهِ — ضَغْطَةَ مَنْ يَكْبَحُ مَا لَا يَنْبَغِي قَوْلُهُ أَمَامَ كَاتِبٍ يُسَجِّلُ:
— الْوَرَعُ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ فِتْنَةٌ.
قَالَ أَحْمَدُ:
— وَالإِكْرَاهُ عَلَى الرَّأْيِ فِي مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ لَيْسَ تَوْحِيداً.
هُوَ فَرْضُ رَأْيِ إِنْسَانٍ بِاسْمِ اللهِ.
وَاللهُ لَمْ يَأْذَنْ بِذَلِكَ — لَا فِي كِتَابِهِ وَلَا فِيمَا صَحَّ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ.
صَمْتٌ فِي الْغُرْفَةِ — صَمْتٌ فِيهِ ثِقَلُ مَا قِيلَ وَثِقَلُ مَا لَمْ يُقَلْ.
قَالَ ابْنُ أَبِي دُوَادٍ بِنَبْرَةٍ أَخْفَضَ وَأَخْطَرَ — النَّبْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حِينَ يَنْفَدُ الْحِوَارُ وَيَبْدَأُ التَّهْدِيدُ:
— أَتَعْرِفُ مَاذَا يَعْنِي مَوْقِفُكَ؟
— يَعْنِي أَنَّنِي أَرْفُضُ.
— يَعْنِي أَنَّكَ سَتُجْلَدُ مَرَّةً أُخْرَى.
— أَعْرِفُ.
قَالَ الرَّجُلُ الصَّامِتُ عَنْ يَسَارِ ابْنِ أَبِي دُوَادٍ — وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَتَكَلَّمُ،
وَصَوْتُهُ كَانَ أَهْدَأَ مِنْ كُلِّ مَا قِيلَ — أَهْدَأَ مِمَّا يَنْبَغِي لِكَلَامٍ بِهَذِهِ الْأَهَمِّيَّةِ:
— يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ.
أَنَا لَسْتُ مِنَ الْقُضَاةِ وَلَا مِنْ رِجَالِ الدَّوْلَةِ.
أَنَا رَجُلٌ أَتَيْتُ لِأَسْمَعَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ.
— اسْمِي لَيْسَ مُهِمًّا.
لَكِنَّ سُؤَالِي مُهِمٌّ.
هَلْ تُؤْمِنُ أَنَّ هَذَا الْمَوْقِفَ — مَوْقِفَكَ — سَيُصْلِحُ شَيْئاً؟
هَلْ تُؤْمِنُ أَنَّ ثَمَنَهُ يَسْتَحِقُّ؟
صَمَتَ أَحْمَدُ طَوِيلاً.
كَانَ هَذَا أَصْعَبَ سُؤَالٍ فِي الْغُرْفَةِ — لَيْسَ لأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ جَوَابَهُ،
بَلْ لأَنَّ الْجَوَابَ كَانَ فِي مَكَانٍ عَمِيقٍ جِدًّا — فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَا يُصَاغُ مِنْهُ الْكَلَامُ بِسُهُولَةٍ لأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْكَلَامِ.
قَالَ أَخِيراً:
— لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ سَيُصْلِحُ.
لَكِنَّنِي أَخْشَى الفَسَادَ.
وَحِينَ يَكُونُ الاخْتِيَارُ بَيْنَ إِصْلَاحٍ مُحْتَمَلٍ وَفَسَادٍ مُؤَكَّدٍ — الإِصْلَاحُ الْمُحْتَمَلُ أَوْلَى.
حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَرَهُ صَاحِبُهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ الصَّامِتُ نَظْرَةً طَوِيلَةً — نَظْرَةَ مَنْ جَاءَ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ وَوَجَدَهُ.
ثُمَّ قَالَ:
— شُكْراً.
وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَهَا.
ثَالِثاً: الزِّنْزَانَةُ — بَعْدَ الْجَلْدِ
حِينَ أَعَادُوهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ الْجُلُوسَ مُسْتَقِيماً.
كَانَ رَشِيدٌ الْحَدَّادُ مُنْتَظِراً.
لَمْ يَسْأَلْ.
لَمْ يُعَزِّ بِكَلَامٍ جَاهِزٍ — ذَلِكَ الْكَلَامُ الَّذِي يَأْتِي حِينَ لَا يَعْرِفُ الْمُعَزِّي مَاذَا يَقُولُ فَيَقُولُ مَا حَفِظَهُ.
فَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ الْحَدَّادُ حِينَ يَعْمَلُ — تَحَرَّكَ.
أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ ثَوْبِهِ الْقَدِيمِ وَبَلَّلَهَا بِمَا تَبَقَّى مِنَ الْمَاءِ وَسَاعَدَ أَحْمَدَ عَلَى الاتِّكَاءِ — فِعْلٌ بِلَا كَلَامٍ،
وَأَحْيَاناً الْفِعْلُ أَبْلَغُ.
بَعْدَ وَقْتٍ طَوِيلٍ قَالَ أَحْمَدُ:
— فِي شَبَابِي كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الصَّبْرَ سَهْلٌ عَلَى مَنْ يُؤْمِنُ.
— وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ؟
— الصَّبْرُ أَصْعَبُ شَيْءٍ.
لأَنَّهُ لَا يَعْنِي عَدَمَ الأَلَمِ — مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يُجَرِّبِ الأَلَمَ.
يَعْنِي الاخْتِيَارَ بِالرَّغْمِ مِنَ الأَلَمِ.
وَالاخْتِيَارُ بِالرَّغْمِ مِنَ الأَلَمِ يَحْتَاجُ مِنَ الإِنْسَانِ كُلَّ مَا يَمْلِكُهُ.
فَكَّرَ رَشِيدٌ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي لَا تَسِيرُ مِنَ الأَمَامِ إِلَى الْوَرَاءِ بَلْ تَذْهَبُ مُبَاشِرَةً إِلَى الصُّورَةِ:
— أَنَا فِي الْحَدِيدِ أَعْرِفُ هَذَا.
حِينَ تَصْنَعُ سَيْفاً — تَضْرِبُهُ وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ الضَّرْبَةَ تُؤْلِمُهُ.
لَكِنَّ الضَّرْبَةَ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُهُ سَيْفاً.
الْحَدِيدُ الَّذِي لَمْ يُضْرَبْ يَبْقَى حَدِيداً — لَا يَصِيرُ شَيْئاً.
نَظَرَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ.
— مِنْ أَيْنَ جَاءَكَ هَذَا الْكَلَامُ؟
ابْتَسَمَ رَشِيدٌ بِتِلْكَ الْبَسَاطَةِ الَّتِي تَمْلِكُهَا يَدُ الْحَدَّادِ — الْبَسَاطَةُ الَّتِي تَكُونُ حِينَ يَعْرِفُ الإِنْسَانُ مَصْدَرَهُ وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَدَّعِيَ غَيْرَهُ:
— مِنَ النَّارِ وَالْحَدِيدِ.
لَيْسَ مِنَ الْكُتُبِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يَنَمْ أَحْمَدُ.
لَمْ يَكُنِ الأَلَمُ الْجَسَدِيُّ وَحْدَهُ.
كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ يُبْقِيهِ مُسْتَيْقِظاً — سُؤَالُ الرَّجُلِ الصَّامِتِ.
“هَلْ تُؤْمِنُ أَنَّ ثَمَنَهُ يَسْتَحِقُّ؟”
فَكَّرَ فِي كُلِّ مَنْ سَمِعَ مَوْقِفَهُ مِنَ النَّاسِ الْعَادِيِّينَ — الْمُزَارِعُ وَالْحَدَّادُ وَالتَّاجِرُ وَالأُمُّ الَّتِي تُعَلِّمُ ابْنَهَا الْقُرْآنَ.
هَؤُلَاءِ لَا يَعْرِفُونَ الْجَدَلَ الْكَلَامِيَّ وَلَا يَهْتَمُّونَ بِهِ.
لَكِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ شَيْئاً وَاحِداً:
إِذَا قَالَ الْفَقِيهُ الْكَبِيرُ تَحْتَ الإِكْرَاهِ مَا لَا يُؤْمِنُ بِهِ — مَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ لِثِقَتِهِمْ فِي كُلِّ مَا سَيَقُولُهُ بَعْدَهَا؟
وَإِذَا سَقَطَ الْعِلْمُ أَمَامَ السُّلْطَةِ مَرَّةً — هَلْ سَيَبْقَى لَهُ مَكَانُهُ فِي قُلُوبِهِمْ؟
ثُمَّ فَكَّرَ فِي الْخَطَرِ الآخَرِ — الَّذِي لَا يَرَاهُ كَثِيرُونَ لأَنَّهُ خَطَرٌ لَا يَأْتِي الآنَ بَلْ يَأْتِي بَعْدَ حِينٍ:
“خِفْتُ أَنْ يُوظَّفَ اسْمِي فِيمَا لَا أَقُولُهُ”
وَأَنَّ مَنْ سَيَحْمِلُونَ اسْمَهُ لَنْ يَحْمِلُوا رُوحَهُ — لأَنَّ الأَرْوَاحَ لَا تُورَّثُ بِالنَّسَبِ.
وَأَنَّ الصُّمُودَ الَّذِي كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى وَرَعٍ وَتَحَرُّجٍ سَيُقْرَأُ كَتَشَدُّدٍ وَانْغِلَاقٍ.
وَأَنَّ كُلَّ مَنْ سَيَأْتِي بَعْدَهُ مُدَّعِياً اتِّبَاعَهُ سَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ مَوْرُوثِهِ مَا يُرِيدُ وَيَتْرُكَ مَا لَا يُرِيدُ — وَهُوَ لَنْ يَسْتَطِيعَ الرَّدَّ.
قَالَ لِنَفْسِهِ فِي الظَّلَامِ — أَوْ قَالَهَا لِذَلِكَ الشَّيْءِ فِي الصَّدْرِ الَّذِي يَكُونُ أَكْثَرَ حُضُوراً فِي اللَّيْلِ حِينَ يَنَامُ مَا عَدَاهُ:
— اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّنِي لَمْ أَتَكَلَّمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَكُونَ إِمَاماً.
وَلَمْ أَتَكَلَّمْ فِيهَا لِأَبْنِيَ مَذْهَباً يَحْمِلُ اسْمِي.
تَكَلَّمْتُ لأَنَّ الصَّمْتَ كَانَ سَيَعْنِي الْقَبُولَ.
وَأَنَا لَمْ أَجِدْ دَلِيلاً عَلَى الْقَبُولِ.
تَوَقَّفَ.
— وَإِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فِي شَيْءٍ لَمْ أَرَهُ — فَاغْفِرْ لِي مَا لَمْ أَقْصِدْهُ.
وَمَنْ حَمَلَ اسْمِي بَعْدِي وَظَلَمَ بِهِ — فَبَيْنَهُ وَبَيْنَكَ.
وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِنَوَايَايَ مِنْ نَفْسِي.
رَابِعاً: خَارِجَ السِّجْنِ — فِي الْمَدِينَةِ
لَمْ يَكُنْ مَا يَحْدُثُ دَاخِلَ السِّجْنِ سِرًّا.
بَغْدَادُ كَانَتْ تَعْرِفُ.
الأَسْوَاقُ كَانَتْ تَهْمِسُ.
الْحَلَقَاتُ كَانَتْ تَتَكَلَّمُ.
وَكَانَ النَّاسُ — ذَلِكَ الْكِيَانُ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ لَكِنَّهُ يَصْنَعُ التَّارِيخَ بِصَمْتِهِ وَبِحَرَكَتِهِ وَبِتَلْكَ الذَّاكِرَةِ الْجَمَاعِيَّةِ الَّتِي لَا تَنْسَى — كَانُوا يَتَحَرَّكُونَ.
فِي السُّوقِ كَانَتْ أَمِينَةُ الْخَبَّازَةُ تَبِيعُ خُبْزَهَا وَتَسْمَعُ.
قَالَتْ لِزَبُونَتِهَا — امْرَأَةٌ هِيَ جَارَتُهَا،
جَاءَتْ تَشْتَرِي وَبَقِيَتْ تَتَكَلَّمُ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يَحْمِلُ خَبَراً يُثْقِلُهُ:
— سَمِعْتُ أَنَّهُمْ جَلَدُوهُ مَرَّةً أُخْرَى.
— نَعَمْ. وَالشَّيْخُ لَمْ يَتَرَاجَعْ.
هَزَّتْ أَمِينَةُ رَأْسَهَا بِطَرِيقَةٍ تَحْمِلُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ تَقْدِيراً وَقَلَقاً — تَقْدِيرُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الشَّجَاعَةَ حَقِيقِيَّةٌ،
وَقَلَقُ مَنْ يَعْرِفُ أَيْضاً أَنَّ الشَّجَاعَةَ تُكَلِّفُ، ولَهَا ثَمَنٌ:
— رَجُلٌ يُجْلَدُ عَلَى كَلَامٍ.
وَالْكَلَامُ عَنِ الْقُرْآنِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ كُلُّ النَّاسِ.
— وَهَلْ تَفْهَمِينَ الْمَسْأَلَةَ؟
— لَا أَفْهَمُ الْجَدَلَ. لَكِنَّنِي أَفْهَمُ شَيْئاً.
— مَاذَا؟
— أَنَّ رَجُلاً يُجْلَدُ لأَنَّهُ لَا يَقُولُ مَا يُرِيدُهُ مِنْهُ مَنْ يَمْلِكُ السَّيْفَ — هَذَا لَيْسَ عَنِ الْقُرْآنِ. ه
َذَا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ.
— عَنْ مَاذَا؟
قَالَتْ أَمِينَةُ وَهِيَ تَدْفَعُ الْخُبْزَ لِزَبُونَتِهَا — بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَقُولُ بِهَا الْبَدِيهِيَّاتُ بَدِيهِيَّاتٍ لأَنَّهَا وَصَلَتْ إِلَيْهَا بِالتَّجْرِبَةِ لَا بِالنِّقَاشِ:
— عَنْ مَنْ يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ.
وَعَنْ مَنْ يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي أَنْ يَصْمُتَ حِينَ لَا يَعْرِفُهُ.
فِي حَلْقَةٍ قَرِيبَةٍ كَانَ طُلَّابٌ صِغَارٌ يَتَنَاقَشُونَ.
قَالَ أَحَدُهُمْ:
— الْخَلِيفَةُ يَمْلِكُ السُّلْطَةَ.
وَالسُّلْطَةُ تَحْتَاجُ الطَّاعَةَ.
قَالَ ثَانٍ:
— لَكِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ سُلْطَةً.
الْعِلْمُ شَيْءٌ آخَرُ — يَخْضَعُ لِلدَّلِيلِ لَا لِلأَمْرِ.
قَالَ ثَالِثٌ — وَكَانَ الأَصْغَرَ بَيْنَهُمْ لَكِنَّ صَوْتَهُ كَانَ يَحْمِلُ شَيْئاً لَا تَحْمِلُهُ أَصْوَاتُ الأَكْبَرِ — ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ حِينَ يَرَى الْمَرْءُ السُّؤَالَ مِنْ زَاوِيَةٍ لَمْ يَرَهَا مَنْ سَبَقَهُ:
— إِذَا اسْتَطَاعَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُكْرِهَ الْفَقِيهَ عَلَى الرَّأْيِ — مَنْ سَيَحْمِي النَّاسَ الْعَادِيِّينَ مِنْ أَنْ يُكْرَهُوا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ؟
صَمَتُوا.
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ أَكْبَرَ مِنْهُمْ جَمِيعاً.
وَهَذَا بِالذَّاتِ كَانَ دَلِيلَ صِحَّتِهِ.
خَامِساً: يَوْمُ الإِفْرَاجِ — السَّنَةُ مِئَتَانِ وَعِشْرُونَ
حِينَ أُفْرِجَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ احْتِفَالٌ.
خَرَجَ كَمَا دَخَلَ — بِنَفْسِ الْهُدُوءِ الَّذِي لَا يَعْنِي غِيَابَ الشُّعُورِ بَلْ يَعْنِي أَنَّ الشُّعُورَ وَجَدَ مَكَانَهُ الصَّحِيحَ دَاخِلَ الْجَسَدِ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعْلَانٍ — لأَنَّ أَعْمَقَ الأَشْيَاءِ لَا تُعْلَنُ.
لَكِنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي الطَّرِيقِ.
لَيْسَ حَشْداً مُنَظَّماً.
كَانُوا أَفْرَاداً — هُنَا رَجُلٌ يَقِفُ وَيُسَلِّمُ بِيَدِهِ وَفِي وَجْهِهِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنَ التَّسْلِيمِ.
وَهُنَاكَ امْرَأَةٌ تَبْكِي دُونَ أَنْ تَعْرِفَ تَحْدِيداً لِمَاذَا — وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا أَصْدَقَ الْبُكَاءِ، الَّذِي يَأْتِي لَا مِنَ الْفَهْمِ بَلْ مِنَ الإِحْسَاسِ بِأَنَّ شَيْئاً مُهِمًّا حَدَثَ.
وَأَطْفَالٌ يُشِيرُونَ دُونَ أَنْ يَفْهَمُوا بِالْكَامِلِ مَا حَدَثَ — وَرُبَّمَا كَانَ عَدَمُ الْفَهْمِ الْكَامِلِ هُوَ مَا يَجْعَلُهُمْ يُشِيرُونَ بِنَقَاءٍ أَكْثَرَ.
كَانَ حَارِثُ الْوَرَّاقُ بَيْنَهُمْ.
حِينَ رَآهُ قَالَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، لِنَفْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ:
— سَنَوَاتٍ مِنَ الاسْتِجْوَابِ وَالأَذَى.
ثُمَّ كَتَبَ فِي ذَاكِرَتِهِ — لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ قَلَمَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ — عِبَارَةً سَيَكْتُبُهَا لَاحِقاً فِي هَامِشِ وَرَقَةٍ بَيْضَاءَ:
“رَأَيْتُ الْيَوْمَ مَا يَعْنِيهِ أَنْ يُثَمِّنَ إِنْسَانٌ كَلِمَةً أَكْثَرَ مِمَّا يُثَمِّنُ رَاحَتَهُ.
وَفَكَّرْتُ:
هَلْ أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ؟
لَا أَعْرِفُ.
لَكِنَّ رُؤْيَتَهُ جَعَلَتِ السُّؤَالَ مُمْكِناً — وَرُبَّمَا هَذَا كَافٍ.”
اقْتَرَبَ مِنْهُ رَشِيدٌ الْحَدَّادُ — الَّذِي أُفْرِجَ عَنْهُ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ وَعَادَ إِلَى دُكَّانِهِ وَظَلَّتْ يَدَاهُ تَتَذَكَّرَانِ الزِّنْزَانَةَ حِينَ تُمْسِكَانِ الْمِطْرَقَةَ.
صَافَحَهُ بِيَدِ الْحَدَّادِ — يَدٌ فِيهَا آثَارُ النَّارِ وَالْحَدِيدِ وَعَمَلٍ طَوِيلٍ لَا يَطْلُبُ اعْتِرَافاً.
قَالَ:
— أَنْتَ بِخَيْرٍ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ.
فِي هَذَا السُّؤَالِ الْبَسِيطِ — أَنْتَ بِخَيْرٍ؟ — كَانَ شَيْءٌ أَرَاحَهُ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ كَلَامِ التَّقْدِيرِ وَالتَّبْجِيلِ الَّذِي سَيَسْمَعُهُ فِي الأَيَّامِ الْقَادِمَةِ. لأَنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الإِنْسَانِ لَا عَنِ الرَّمْزِ.
قَالَ:
— أَنَا بِخَيْرٍ.
ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ لَحْظَةٍ:
— وَأَنْتَ؟
ابْتَسَمَ رَشِيدٌ:
— أَنَا عُدْتُ لِلْحَدَادِ.
السُّيُوفُ لَا تَنْتَظِرُ.
وَالنَّارُ تَبْدَأُ مِنَ الصِّفْرِ كُلَّ يَوْمٍ — لَا تَذْكُرُ أَمْسِهَا وَلَا تَشْكُوهُ.
لَاحِقاً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ،
حِينَ جَلَسَ أَحْمَدُ فِي بَيْتِهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بَعْدَ سَنَوَاتٍ،
جَاءَهُ طُلَّابُهُ.
كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَسْمَعُوا — عَنِ الْمِحْنَةِ،
عَنِ الصَّبْرِ،
عَنِ الدَّرْسِ الَّذِي يَحْمِلُهُ هَذَا كُلُّهُ.
قَالَ لَهُمْ شَيْئاً لَمْ يَتَوَقَّعُوهُ:
— لَا تَجْعَلُوا مِمَّا حَدَثَ دَرْساً فِي الثَّبَاتِ فَقَطْ.
اجْعَلُوهُ دَرْساً فِي التَّسَاؤُلِ.
— فِي التَّسَاؤُلِ؟
— نَعَمْ. تَسَاءَلُوا:
لِمَاذَا وَصَلَ الأَمْرُ إِلَى هُنَا؟
حِينَ تُسْتَخْدَمُ السُّلْطَةُ لِفَرْضِ رَأْيٍ فِي مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ — هَذَا يَعْنِي أَنَّ شَيْئاً مَا أَخْطَأَ قَبْلَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ.
فِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالسُّلْطَةِ.
فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نَبْنِي بِهَا الْمَذَاهِبَ.
فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُقَدِّسُ فِيهَا النَّاسُ الْعُلَمَاءَ حَتَّى يُصْبِحَ الْعَالِمُ سُلْطَةً أُخْرَى — وَالسُّلْطَتَانِ تَتَقَاتَلَانِ وَالنَّاسُ الْعَادِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ.
صَمَتُوا.
ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمْ:
— لَكِنْ أَنْتَ — يَا شَيْخَنَا — لَمْ تَكُنْ تُرِيدُ السُّلْطَةَ.
— أَعْرِفُ. لَكِنَّ مَنْ يَأْتِي بَعْدِي وَيَنْسُبُ نَفْسَهُ إِلَيَّ — هَلْ سَيَكُونُ كَذَلِكَ دَائِماً؟
أَمْ أَنَّ الاسْمَ سَيَصِيرُ سُلْطَةً حِينَ يُفْصَلُ عَنِ الرُّوحِ الَّتِي أَنْتَجَتْهُ؟
لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ.
لأَنَّ الْجَوَابَ كَانَ يَعْرِفُهُ الْجَمِيعُ — وَمَعْرِفَتُهُ كَانَتْ أَثْقَلَ مِنْ قُدْرَتِهِمْ عَلَى نُطْقِهِ.
فِي اللَّيْلِ كَتَبَ أَحْمَدُ — وَكَانَتْ كِتَابَتُهُ قَلِيلَةً،
لأَنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ الْحَدِيثَ وَالرِّوَايَةَ عَلَى التَّأْلِيفِ — كَتَبَ:
“رَأَيْتُ فِي السِّجْنِ رَجُلاً لَا يَعْرِفُ الْفِقْهَ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُ الْحَدِيدَ.
وَكَانَ أَفْهَمَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ:
أَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْحَقِّ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ وَالْحَيَاةِ الَّتِي يَعِيشُهَا.
قَالَ:
لِمَاذَا أَتَرَاجَعُ عَنِ الْحَقِّ؟
كَأَنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِهِ أَنَّ الْمَرْءَ يُمْكِنُ أَنْ يُفَكِّرَ شَيْئاً وَيَقُولَ آخَرَ.
وَهَذَا الَّذِي لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِهِ هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَبْقَى حَيًّا فِينَا — وَهُوَ أَيْضاً أَصْعَبُ مَا يُحَافَظُ عَلَيْهِ.”
وَبَغْدَادُ فِي الْخَارِجِ كَانَتْ تُكْمِلُ دَوْرَتَهَا.
السُّلْطَةُ تَبْحَثُ عَنْ شَرْعِيَّتِهَا.
وَالْفِقْهُ يَبْحَثُ عَنِ اسْتِقْلَالِهِ.
وَالنَّاسُ فِي الْمُنْتَصَفِ — كَمَا كَانُوا دَائِماً — يَسْأَلُونَ سُؤَالاً وَاحِداً لَا يَتَغَيَّرُ:
مَنْ يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ؟
وَذَلِكَ السُّؤَالُ لَمْ يَجِدْ جَوَابَهُ فِي سُجُونِ الْمُعْتَصِمِ.
وَلَنْ يَجِدَهُ فِي قُصُورِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ.
لأَنَّهُ سُؤَالٌ لَا تَمْلِكُهُ السُّلْطَةُ.
وَلَا يَمْلِكُهُ الْفِقْهُ وَحْدَهُ.
بَلْ يَمْلِكُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ يَقِفُ أَمَامَ نَفْسِهِ فِي اللَّيْلِ وَيَسْأَلُ:
مَاذَا أُؤْمِنُ حَقًّا؟
وَهَلْ أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِثَمَنِ ذَلِكَ؟

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 06