وَصِيَّـــةُ الْحَرِيقَـــةِ
لَيْسَتْ هٰذِهِ الرِّوايَةُ سِيرَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، بَلْ سِيرَةَ أَمانَةٍ تَنْتَقِلُ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ عَبْرَ الزَّمَنِ.
هِيَ رِوايَةٌ عَنِ الثِّقَةِ: كَيْفَ تُمْنَحُ؟ وَلِمَنْ تُمْنَحُ؟ وَهَلْ يَكْفِي الدَّمُ وَحْدَهُ لِيَجْعَلَ الإِنْسانَ أَهْلاً لَها، أَمْ أَنَّ القَلْبَ يَخْتارُ أَهْلَهُ بِاخْتِيارِهِ، بَعِيداً عَنْ كُلِّ ما تَفْرِضُهُ الصُّدْفَةُ وَالنَّسَبُ؟
فِي هٰذِهِ الصَّفَحاتِ، سَيَلْتَقِي القارِئُ بِشابٍّ فَقِيرٍ يَقِفُ أَمامَ بابٍ لا يَعْرِفُ ما وَراءَهُ، وَبِرَجُلٍ عَجُوزٍ يَحْمِلُ سِرّاً أَثْقَلَ مِنْ عُمْرِهِ، وَبِمَدِينَتَيْنِ تَشْهَدانِ مَعاً عَلَى أَنَّ الحَرْبَ لا تُنْهِي الحِكاياتِ، بَلْ تُعِيدُ كِتابَتَها بِحِبْرٍ أَشَدَّ قَسْوَةً.
وَسَيَكْتَشِفُ القارِئُ، مَعَ الصَّفْحَةِ الأَخِيرَةِ، أَنَّ الوَصِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَكُنْ أَبَداً فِي صُنْدُوقٍ مُغْلَقٍ، وَلا فِي وَثِيقَةٍ مَخْتُومَةٍ بِالشَّمْعِ، بَلْ فِي القَرارِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ الإِنْسانُ حِينَ لا يُراقِبُهُ أَحَدٌ.
وَبَيْنَ سُوقٍ دِمَشْقِيٍّ عَتِيقٍ يَحْمِلُ اسْمَ حَرِيقٍ قَدِيمٍ، وَمَدِينَةٍ أُورُبِّيَّةٍ بَعِيدَةٍ لا تَعْرِفُ مِنَ الشَّرْقِ إِلَّا أَخْبارَهُ، تَتَنَقَّلُ هٰذِهِ الحِكايَةُ بَيْنَ زَمَنَيْنِ وَجِيلَيْنِ وَقَلْبَيْنِ، لِتَقُولَ، فِي نِهايَةِ المَطافِ، شَيْئاً واحِداً بَسِيطاً وَعَمِيقاً فِي آنٍ مَعاً: إِنَّ الإِنْسانَ لا يُقاسُ بِمَنْ وَلَدَهُ، بَلْ بِمَنِ اخْتارَ أَنْ يَكُونَهُ.
فَلْتَبْدَأِ القِراءَةُ إِذَنْ، وَلْتَكُنِ الأَمانَةُ أَوَّلَ ما تَحْمِلُهُ مَعَكَ.
