الْمِيرَاثُ
اَلْجُزْءُ الخَامِس وملحقاً به اَلْجُزْءُ السَّادِس
الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ
وَصَلَ إِلَى مَكْتَبِ سَامِي مُلْحَقٌ جَدِيدٌ بِمَلَفِّ إِلْيَاسَ الْخَبَّازِ، الَّذِي كَانَ قَدْ أَغْلَقَهُ مُنْذُ فَتْرَةٍ وَتَرَكَهُ عَلَى الرَّفِّ يَجْمَعُ غُبَارَ الْأَيَّامِ. كَانَ هَذَا الْمُلْحَقُ مَكْتُوبًا بِخَطِّ يَدٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا، أَحْدَثَ بِكَثِيرٍ، وَقَّعَهُ حَفِيدٌ لِإِلْيَاسَ، وَجَدَ أَوْرَاقَ جَدِّهِ الْقَدِيمَةَ بَعْدَ عُقُودٍ، وَقَرَّرَ أَنْ يُكْمِلَ رِوَايَتَهَا.
كَتَبَ الْحَفِيدُ:
“وَجَدْتُ رَسَائِلَ جَدِّي إِلْيَاسَ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، فِي صُنْدُوقٍ خَشَبِيٍّ قَدِيمٍ فِي الْعِلِّيَّةِ. قَرَأْتُهَا كُلَّهَا، وَشَعَرْتُ بِرَغْبَةٍ أَنْ أُكْمِلَ مَا بَدَأَهُ: مَاذَا حَدَثَ لِإِلْيَاسَ بَعْدَ أَنِ انْتَهَى الْحِصَارُ؟”
رَوَى الْحَفِيدُ أَنَّ إِلْيَاسَ، بَعْدَ نِهَايَةِ الْحِصَارِ مُبَاشَرَةً، لَمْ يُصْبِحْ ثَرِيًّا فَجْأَةً، وَلَا مَشْهُورًا كَمَا قَدْ يَتَوَقَّعُ الْمَرْءُ مِنْ “بَطَلٍ” فِي قِصَّةٍ. عَادَ إِلَى مَخْبَزِهِ الْمُتَهَالِكِ، وَأَعَادَ بِنَاءَهُ بِبُطْءٍ، بِمُسَاعَدَةِ أَبْنَائِهِ وَبَعْضِ الْجِيرَانِ الَّذِينَ لَمْ يَنْسَوْا مَا فَعَلَهُ مِنْ أَجْلِهِمْ خِلَالَ أَصْعَبِ أَشْهُرِ حَيَاتِهِمْ.
كَتَبَ الْحَفِيدُ:
“لَمْ يَتَحَدَّثْ جَدِّي كَثِيرًا عَنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ، حَتَّى مَعَنَا، أَحْفَادِهِ. حِينَ سَأَلْتُهُ مَرَّةً عَنِ الْحِصَارِ، قَالَ فَقَطْ: ‘كَانَتْ أَيَّامًا صَعْبَةً، لَكِنَّهَا عَلَّمَتْنِي أَنَّ الْخُبْزَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ طَعَامٍ؛ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رِسَالَةَ حُبٍّ لِمَنْ نُحِبُّ، حَتَّى لَوْ لَمْ نَعْرِفْهُمْ شَخْصِيًّا’.”
رَوَى الْحَفِيدُ أَيْضًا أَنَّ إِلْيَاسَ وَاجَهَ، فِي السَّنَوَاتِ الَّتِي تَلَتِ الْحِصَارَ، صُعُوبَاتٍ اقْتِصَادِيَّةً جَدِيدَةً، إِذْ لَمْ يَسْتَطِعْ مَخْبَزُهُ الصَّغِيرُ مُنَافَسَةَ مَخَابِزَ أَكْبَرَ افْتُتِحَتْ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ إِعَادَةِ الْإِعْمَارِ. لَكِنَّهُ، رَغْمَ هَذَا، اسْتَمَرَّ فِي مَبْدَئِهِ الْقَدِيمِ: يُخَصِّصُ جُزْءًا مِنْ إِنْتَاجِهِ الْيَوْمِيِّ، مَهْمَا كَانَ قَلِيلًا، لِيُوَزِّعَهُ مَجَّانًا عَلَى أَفْقَرِ عَائِلَاتِ الْحَيِّ، حَتَّى فِي سَنَوَاتِ السِّلْمِ الْمُسْتَقِرَّةِ.
“سَأَلْتُهُ مَرَّةً: لِمَاذَا تَسْتَمِرُّ فِي هَذَا، يَا جَدِّي، حَتَّى بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحِصَارِ؟ قَالَ لِي: ‘الْحِصَارُ عَلَّمَنِي أَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْحَرْبِ، يَا بُنَيَّ. هُنَاكَ دَائِمًا مَنْ يَحْتَاجُ، حَتَّى فِي أَوْقَاتِ السِّلْمِ، وَأَنَا لَنْ أَنْسَى هَذَا الدَّرْسَ أَبَدًا’.”
قَرَأَ سَامِي هَذِهِ السُّطُورَ بِتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ، مُتَوَقِّفًا بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ لِيُعِيدَ قِرَاءَةَ جُمْلَةٍ بِعَيْنِهَا، وَتَذَكَّرَ كُلَّ مَا تَعَلَّمَهُ مِنْ مَلَفِّ إِلْيَاسَ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْبُطُولَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْأَزْمَةِ الَّتِي أَظْهَرَتْهَا، بَلْ تَسْتَمِرُّ كَنَمَطِ حَيَاةٍ يَوْمِيٍّ، حَتَّى حِينَ لَا يُرَاقِبُهُ أَحَدٌ وَلَا يَحْتَاجُ الْأَمْرُ بُطُولَةً ظَاهِرَةً.
كَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“يَبْدُو أَنَّ السُّؤَالَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ فَقَطْ ‘مَاذَا فَعَلْنَا فِي لَحْظَةِ الْأَزْمَةِ؟’، بَلْ أَيْضًا ‘مَاذَا بَقِيَ مِنَّا بَعْدَ أَنِ انْتَهَتْ؟’ إِلْيَاسُ لَمْ يَكُنْ بَطَلًا لِيَوْمٍ وَاحِدٍ مِنَ التَّضْحِيَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّةِ؛ كَانَ إِنْسَانًا غَيَّرَتْ فِيهِ تِلْكَ التَّجْرِبَةُ شَيْئًا دَائِمًا، جَعَلَتْهُ يَرَى الْحَاجَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ بِعَيْنٍ مُخْتَلِفَةٍ إِلَى آخِرِ يَوْمٍ فِي حَيَاتِهِ.”
فِي آخِرِ صَفَحَاتِ هَذَا الْمُلْحَقِ، كَتَبَ الْحَفِيدُ عَنْ وَفَاةِ جَدِّهِ، الَّتِي حَدَثَتْ بِهُدُوءٍ فِي شَيْخُوخَتِهِ، مُحَاطًا بِأَبْنَائِهِ وَأَحْفَادِهِ.
“فِي آخِرِ أَيَّامِهِ، حِينَ كَانَ طَرِيحَ الْفِرَاشِ، طَلَبَ مِنِّي أَنْ أُحْضِرَ لَهُ رَغِيفَ خُبْزٍ طَازِجًا، وَأَمْسَكَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، وَهُوَ يَبْتَسِمُ بِصَمْتٍ. لَمْ يَقُلْ شَيْئًا، لَكِنِّي فَهِمْتُ، مِنْ نَظْرَةِ عَيْنَيْهِ، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيدُ ذِكْرَى تِلْكَ الْأَيَّامِ الْبَعِيدَةِ، حِينَ كَانَ هَذَا الرَّغِيفُ الْبَسِيطُ يَعْنِي الْفَارِقَ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ لِعَائِلَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي مَدِينَتِهِ.”
أَغْلَقَ سَامِي الْمَلَفَّ، وَبَقِيَ يُحَدِّقُ فِيهِ لِلَحْظَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهُ، بِجَانِبِ الْمَلَفِّ الْأَوَّلِ، عَلَى رَفٍّ خَاصٍّ أَسْمَاهُ، مُنْذُ فَتْرَةٍ، “رَفَّ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ”، حَيْثُ يَجْمَعُ الْمَلَفَّاتِ الَّتِي تَكْشِفُ أَثَرَ الْأَحْدَاثِ الْكُبْرَى عَلَى الْمَدَى الطَّوِيلِ، لَا فِي لَحْظَتِهَا الْأُولَى فَقَطْ.
فَكَّرَ سَامِي طَوِيلًا فِي هَذَا النَّمَطِ الَّذِي بَدَأَ يَتَّضِحُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ عَبْرَ كُلِّ الْمَلَفَّاتِ الَّتِي مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ: أَنَّ مَعْنَى الْحَدَثِ الْحَقِيقِيَّ لَا يُقَاسُ فِي لَحْظَتِهِ، بَلْ فِي السَّنَوَاتِ الَّتِي تَلِيهِ، فِي كَيْفَ يُعِيدُ تَشْكِيلَ شَخْصِيَّةِ الْإِنْسَانِ بِشَكْلٍ دَائِمٍ، لَا مُؤَقَّتٍ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَالْمَصَابِيحُ الصَّغِيرَةُ فِي الشَّارِعِ تُلْقِي ظِلَالًا هَادِئَةً عَلَى جِدَارِ الْغُرْفَةِ، حَكَى سَامِي لِصَدِيقَتِهِ، الَّتِي أَصْبَحَتِ الْآنَ خَطِيبَتَهُ، عَنْ هَذَا الْمَلَفِّ.
“أَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا الظَّاهِرَةِ، تُلَخِّصُ شَيْئًا أَسَاسِيًّا تَعَلَّمْتُهُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ فِي الْأَرْشِيفِ: أَنَّ الْأَحْدَاثَ الْكُبْرَى، مَهْمَا كَانَتْ مَأْسَاوِيَّةً أَوْ رَائِعَةً فِي لَحْظَتِهَا، تَتْرُكُ أَثَرَهَا الْحَقِيقِيَّ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ بَعْدَهَا، بِصَمْتٍ، حِينَ لَا يُرَاقِبُهُ أَحَدٌ، وَلَا يَنْتَظِرُ أَيَّ تَكْرِيمٍ.”
ابْتَسَمَتْ خَطِيبَتُهُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، وَقَالَتْ:
“وَأَنْتَ، سَامِي، مَاذَا تَرَكَتْ فِيكَ هَذِهِ السَّنَوَاتُ مِنْ قِرَاءَةِ كُلِّ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ؟”
فَكَّرَ سَامِي طَوِيلًا، وَعَيْنَاهُ شَارِدَتَانِ فِي نُقْطَةٍ بَعِيدَةٍ خَلْفَ النَّافِذَةِ، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ يَقِينًا جَدِيدًا لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهُ مِنْ قَبْلُ:
“تَرَكَتْ فِيَّ رَجُلًا تَعَلَّمَ، مُتَأَخِّرًا لَكِنْ بِصِدْقٍ، أَنْ يَعِيشَ حِكَايَتَهُ الْخَاصَّةَ، لَا أَنْ يَكْتَفِيَ بِمُرَاقَبَةِ حِكَايَاتِ الْآخَرِينَ فَقَطْ.”
الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ
ظَلَّتْ قِصَّةُ الطَّبِيبَةِ الْقَرَوِيَّةِ الْمَجْهُولَةِ تَشْغَلُ ذِهْنَ سَامِي لِأَشْهُرٍ بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ مَلَفَّهَا الْأَوَّلَ، تَارِكًا بِطَاقَةَ تَصْنِيفٍ فَارِغَةً احْتِرَامًا لِغِيَابِ اسْمِهَا. فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَبْحَثُ فِي سِجِلَّاتٍ قَدِيمَةٍ أُخْرَى، وَقَعَ، بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ، عَلَى وَثِيقَةٍ صَغِيرَةٍ، مُذَكِّرَةٍ رَسْمِيَّةٍ مِنْ سِجِلَّاتِ الْقَرْيَةِ نَفْسِهَا، تَعُودُ إِلَى فَتْرَةٍ لَاحِقَةٍ لِلْوَبَاءِ بِعُقُودٍ.
كَانَتِ الْمُذَكِّرَةُ عِبَارَةً عَنْ طَلَبٍ مِنْ مَجْلِسِ الْقَرْيَةِ لِبِنَاءِ نُصُبٍ تَذْكَارِيٍّ “لِلطَّبِيبَةِ الَّتِي أَنْقَذَتِ الْقَرْيَةَ مِنَ الْوَبَاءِ الْكَبِيرِ”، وَتَضَمَّنَتْ، فِي سَطْرٍ صَغِيرٍ، اسْمًا: “مَرْيَمُ بِنْتُ يُوسُفَ”.
شَعَرَ سَامِي بِإِثَارَةٍ عَمِيقَةٍ، وَكَأَنَّهُ اكْتَشَفَ كَنْزًا لَطَالَمَا بَحَثَ عَنْهُ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ. بَحَثَ أَكْثَرَ فِي السِّجِلَّاتِ الْمُرْتَبِطَةِ، وَوَجَدَ وَثِيقَةً أُخْرَى، تَعُودُ لِأَحْفَادِ مَرْيَمَ، تَحْكِي بَقِيَّةَ قِصَّتِهَا بَعْدَ انْتِهَاءِ الْوَبَاءِ.
كَتَبَ أَحَدُ أَحْفَادِهَا، فِي مُذَكِّرَاتٍ عَائِلِيَّةٍ مَحْفُوظَةٍ:
“جَدَّتِي مَرْيَمُ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنْ مُمَارَسَةِ الطِّبِّ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْوَبَاءِ. اسْتَمَرَّتْ، لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ، طَبِيبَةَ الْقَرْيَةِ الْوَحِيدَةَ، تُوَلِّدُ الْأَطْفَالَ، وَتُعَالِجُ الْمَرْضَى، وَتُعَلِّمُ بَعْضَ الْفَتَيَاتِ الشَّابَّاتِ أَسَاسِيَّاتِ الطِّبِّ، حَتَّى لَا تَعْتَمِدَ الْقَرْيَةُ عَلَى طَبِيبَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.”
رَوَى الْحَفِيدُ أَنَّ مَرْيَمَ، رَغْمَ شُهْرَتِهَا الْمُتَنَامِيَةِ فِي الْقَرْيَةِ وَمَا حَوْلَهَا، ظَلَّتْ مُتَوَاضِعَةً طَوَالَ حَيَاتِهَا، تَرْفُضُ أَيَّ تَكْرِيمٍ رَسْمِيٍّ، وَتَقُولُ دَائِمًا: “لَسْتُ أَفْضَلَ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ آخَرَ يَفْعَلُ مَا يَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ مِنْ أَجْلِ مَنْ حَوْلَهُ.”
“حِينَ اقْتَرَحَ مَجْلِسُ الْقَرْيَةِ بِنَاءَ نُصُبٍ تَذْكَارِيٍّ لَهَا، وَهِيَ لَا تَزَالُ حَيَّةً، رَفَضَتْ بِشِدَّةٍ. قَالَتْ: ‘ابْنُوا مَدْرَسَةً لِلْفَتَيَاتِ بَدَلَ ذَلِكَ، هَذَا سَيَكُونُ تَكْرِيمًا أَعْظَمَ مِنْ أَيِّ تِمْثَالٍ’.”
قَرَأَ سَامِي هَذَا السَّطْرَ بِابْتِسَامَةٍ عَمِيقَةٍ، وَتَذَكَّرَ قِصَّةَ الشَّيْخِ فَارِسٍ، وَكَيْفَ أَنَّ كِلَيْهِمَا، رَغْمَ اخْتِلَافِ زَمَانَيْهِمَا وَمَكَانَيْهِمَا، شَارَكَا الْقِيمَةَ نَفْسَهَا: أَنَّ الْأَثَرَ الْحَقِيقِيَّ يُقَاسُ بِمَا يَسْتَمِرُّ فِي حَيَاةِ الْآخَرِينَ، لَا بِمَا يُخَلَّدُ فِي حَجَرٍ أَوْ تِمْثَالٍ.
بَنَى مَجْلِسُ الْقَرْيَةِ، بِنَاءً عَلَى طَلَبِهَا، مَدْرَسَةً صَغِيرَةً لِلْفَتَيَاتِ، سُمِّيَتْ لَاحِقًا، بَعْدَ وَفَاتِهَا، “مَدْرَسَةَ مَرْيَمَ”، رَغْمَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِتُوَافِقَ عَلَى هَذَا الِاسْمِ لَوْ عَاشَتْ لِتَرَى ذَلِكَ.
وَجَدَ سَامِي أَيْضًا وَثِيقَةً تَصِفُ وَفَاةَ مَرْيَمَ، فِي شَيْخُوخَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، مُحَاطَةً بِأَجْيَالٍ مِنَ الْفَتَيَاتِ اللَّوَاتِي تَعَلَّمْنَ عَلَى يَدَيْهَا، بَعْضُهُنَّ أَصْبَحْنَ طَبِيبَاتٍ بِدَوْرِهِنَّ، يَنْشُرْنَ مَعْرِفَتَهَا إِلَى قُرًى أُخْرَى مُجَاوِرَةٍ.
كَتَبَ الْحَفِيدُ، فِي خِتَامِ مُذَكِّرَاتِهِ:
“جَدَّتِي مَرْيَمُ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ، حِينَ كَتَبَتْ فِي دَفْتَرِهَا الْأَوَّلِ أَنَّهَا ‘لَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ اسْمَهَا’، أَنَّ اسْمَهَا سَيُصْبِحُ، بَعْدَ عُقُودٍ، مُرَادِفًا لِلْأَمَلِ وَالْعِلْمِ فِي مِنْطَقَةٍ بِأَكْمَلِهَا. رُبَّمَا هَذَا هُوَ أَعْظَمُ دُرُوسِهَا: أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ أَبَدًا الْأَثَرَ الْحَقِيقِيَّ لِأَفْعَالِنَا الصَّامِتَةِ، وَأَنَّ التَّوَاضُعَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَعْنِي إِنْكَارَ قِيمَةِ مَا نَفْعَلُهُ، بَلْ فِعْلَهُ دُونَ انْتِظَارِ أَنْ يُرَى أَوْ يُكَرَّمَ.”
أَغْلَقَ سَامِي هَذَا الْمَلَفَّ الْجَدِيدَ، وَعَادَ إِلَى الرَّفِّ حَيْثُ وَضَعَ مَلَفَّ مَرْيَمَ الْأَوَّلَ، وَكَتَبَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، عَلَى بِطَاقَةِ التَّصْنِيفِ الْفَارِغَةِ، اسْمَهَا كَامِلًا: “مَرْيَمُ بِنْتُ يُوسُفَ، طَبِيبَةُ الْقَرْيَةِ الْمَجْهُولَةِ، الَّتِي عُرِفَ اسْمُهَا أَخِيرًا”.
فَكَّرَ سَامِي طَوِيلًا فِي هَذَا الِاكْتِشَافِ، وَفِي الْمُفَارَقَةِ الْجَمِيلَةِ فِيهِ: أَنَّ الِاسْمَ الَّذِي اخْتَارَتْ مَرْيَمُ إِخْفَاءَهُ بِتَوَاضُعِهَا، عَادَ وَظَهَرَ، لَيْسَ مِنْ فَرْضِهَا هِيَ، بَلْ مِنِ امْتِنَانِ جِيلٍ تِلْوَ جِيلٍ لَمْ يَنْسَ مَا فَعَلَتْهُ مِنْ أَجْلِهِمْ.
كَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُعَلِّمُنِي شَيْئًا عَنْ مَعْنَى ‘الْأَثَرِ’ الْحَقِيقِيِّ: لَا نَحْتَاجُ أَنْ نَسْعَى إِلَيْهِ بِأَنْفُسِنَا، وَلَا أَنْ نَطْلُبَهُ أَوْ نَفْرِضَهُ. إِنْ كَانَ فِعْلُنَا صَادِقًا وَعَمِيقَ الْأَثَرِ، فَسَيَجِدُ طَرِيقَهُ، عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، لِيُرْوَى، حَتَّى لَوْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ مَنْ رَوَيْنَاهُ. هَذَا يَمْنَحُنِي رَاحَةً غَرِيبَةً: أَنِّي لَا أَحْتَاجُ أَنْ أَقْلَقَ بِشَأْنِ كَيْفَ سَأُذْكَرُ، بَلْ فَقَطْ أَنْ أَعِيشَ بِصِدْقٍ، وَأَتْرُكَ الْبَاقِيَ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدِي لِيَكْتَشِفَهُ بِنَفْسِهِ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَالسُّكُونُ يَعُمُّ الْبَيْتَ، حَكَى سَامِي لِخَطِيبَتِهِ عَنْ هَذَا الِاكْتِشَافِ، وَعَيْنَاهُ مَا زَالَتَا تَحْمِلَانِ شَيْئًا مِنْ دَهْشَةِ مَنْ وَجَدَ خَيْطًا كَانَ يَظُنُّهُ ضَائِعًا إِلَى الْأَبَدِ، وَقَالَ:
“أَشْعُرُ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ أَغْلَقَتْ دَائِرَةً كَانَتْ مَفْتُوحَةً فِي ذِهْنِي مُنْذُ أَشْهُرٍ. مَرْيَمُ لَمْ تَعْرِفْ يَوْمًا أَنَّ اسْمَهَا سَيُرْوَى، لَكِنَّهُ رُوِيَ، لِأَنَّ مَا فَعَلَتْهُ كَانَ حَقِيقِيًّا بِمَا يَكْفِي لِيَسْتَحِقَّ أَنْ يُتَذَكَّرَ.”
الْفَصْلُ الْأَرْبَعُونَ
فِي مَسَاءٍ هَادِئٍ، بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ كَامِلٍ مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي رَنَّ فِيهَا الْهَاتِفُ بِخَبَرِ مَرَضِ أَبِيهَا، جَلَسَتْ سَلْمَى وَحْدَهَا فِي غُرْفَتِهَا، وَأَخْرَجَتْ دَفْتَرَهَا الْقَدِيمَ، الَّذِي حَمَلَتْهُ مَعَهَا مُنْذُ رَحِيلِهَا الْأَوَّلِ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ عَقْدٍ، وَبَدَأَتْ تَقْرَأُ، صَفْحَةً بَعْدَ صَفْحَةٍ، كُلَّ مَا كَتَبَتْهُ خِلَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ، وَيَدُهَا تَتَحَسَّسُ حَوَافَّ الْوَرَقِ الَّتِي اصْفَرَّتْ قَلِيلًا مَعَ مُرُورِ السَّنَوَاتِ.
وَجَدَتْ أَوَّلَ سَطْرٍ كَتَبَتْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى: “لَنْ أَذْهَبَ إِلَى أَبِي بِصِفَتِي ضَحِيَّةَ قَرَارٍ قَدِيمٍ، وَلَا بِصِفَتِي غَاضِبَةً مِنْ رَجُلٍ أَحَبَّنِي بِطَرِيقَتِهِ النَّاقِصَةِ. سَأَذْهَبُ لِأَصْنَعَ، أَنَا، مَعْنَى هَذِهِ الرِّحْلَةِ.”
ابْتَسَمَتْ وَهِيَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ، وَتَذَكَّرَتْ حَالَتَهَا النَّفْسِيَّةَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ: خَوْفٌ، ارْتِبَاكٌ، غَضَبٌ مَكْتُومٌ، لَكِنْ أَيْضًا عَزِيمَةٌ وَلِيدَةٌ عَلَى أَلَّا تُكَرِّرَ أَنْمَاطَ الْمَاضِي بِصَمْتٍ.
قَلَّبَتِ الصَّفَحَاتِ، وَوَجَدَتْ سُطُورًا كَتَبَتْهَا بَعْدَ اعْتِرَافِ يُوسُفَ بِدَفْتَرِهِ: “أَنَا حَزِينَةٌ لِأَنَّكَ حَمَلْتَ هَذَا الْخَوْفَ وَحْدَكَ، طَوَالَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، وَظَنَنْتَ أَنَّ عَلَيْكَ أَنْ تُخْفِيَهُ عَنِّي لِتَبْقَى الرَّجُلَ الْقَوِيَّ.” تَذَكَّرَتْ صَدْمَتَهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَكَيْفَ تَحَوَّلَتْ، مَعَ الْوَقْتِ، إِلَى تَفَهُّمٍ أَعْمَقَ لِزَوْجِهَا.
وَجَدَتْ أَيْضًا سُطُورًا كَتَبَتْهَا بَعْدَ حَدِيثِهَا مَعَ نَجَاةَ عَنْ طُفُولَةِ يُوسُفَ: “لُغَتُكِ لَمْ تَكُنْ نَاقِصَةً يَا خَالَتِي، كَانَتِ اللُّغَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي عَرَفْتِهَا.” وَتَذَكَّرَتْ كَيْفَ بَدَأَتْ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَفْهَمُ أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ حَوْلَهَا يَحْمِلُ مِيرَاثَهُ الْخَاصَّ، لَا يَخْتَارُهُ بِوَعْيٍ كَامِلٍ دَائِمًا.
اسْتَمَرَّتْ فِي الْقِرَاءَةِ، مُتَنَقِّلَةً عَبْرَ أَشْهُرِ الرِّحْلَةِ: لِقَاؤُهَا بِأَبِيهَا فِي الْمَشْفَى، اعْتِرَافُهُ بِفَقْدَانِ أُخْتِهِ، يَوْمُ الْعَمَلِيَّةِ وَكَلِمَةُ “أُحِبُّكُمَا” الَّتِي غَيَّرَتْ كُلَّ شَيْءٍ، أَزْمَةُ كَرِيمٍ وَسُهَى الْمَالِيَّةُ وَتَجَاوُزُهُمَا لَهَا، مُعَانَاةُ عَائِلَةِ فِرَاسٍ وَلِينَا وَقِصَّتُهُمْ مَعَ اللُّجُوءِ، ثُمَّ كُلُّ الْحِوَارَاتِ الْعَمِيقَةِ مَعَ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْقَسِّيسَةِ كَلَارَا وَالدُّكْتُورَةِ إِيفَا، وَلِقَاءَاتُهَا مَعَ سُلْطَانَ وَبَرْوِينَ وَأَنِيتَا وَيَاسْمِينَ وَأَمَارَا.
وَجَدَتْ سَطْرًا كَتَبَتْهُ بَعْدَ لِقَائِهَا بِيَاسْمِينَ: “مَهْمَا اخْتَلَفَتْ تَفَاصِيلُ مِيرَاثِنَا، فَإِنَّ السُّؤَالَ الْجَوْهَرِيَّ يَبْقَى وَاحِدًا: مَاذَا نَخْتَارُ أَنْ نَحْمِلَ مِنْهُ إِلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا؟”
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى طَوِيلًا عِنْدَ هَذَا السَّطْرِ، وَفَكَّرَتْ فِي الْمَسَافَةِ الْهَائِلَةِ الَّتِي قَطَعَتْهَا مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، حِينَ كَانَتْ تَقِفُ أَمَامَ حَوْضِ الْمَطْبَخِ، وَالدَّقِيقُ يَتَسَاقَطُ مِنْ يَدَيْهَا كَالثَّلْجِ، وَهِيَ تُحَاوِلُ اسْتِيعَابَ خَبَرِ مَرَضِ أَبِيهَا.
كَتَبَتْ، فِي صَفْحَةٍ جَدِيدَةٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَسَابِيعَ:
“أُعِيدُ قِرَاءَةَ هَذَا الدَّفْتَرِ الْيَوْمَ، وَأَشْعُرُ أَنِّي أَقْرَأُ حِكَايَةَ امْرَأَةٍ أُخْرَى، لَا حِكَايَتِي أَنَا فَقَطْ. الْمَرْأَةُ الَّتِي كَتَبَتِ السَّطْرَ الْأَوَّلَ، فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَانَتْ خَائِفَةً، مُرْتَبِكَةً، تُحَاوِلُ فَقَطْ أَنْ تَنْجُوَ مِنْ صَدْمَةٍ مُفَاجِئَةٍ. الْمَرْأَةُ الَّتِي تَكْتُبُ الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْأَشْهُرِ، تَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِكُلِّ مَا تَعَلَّمَتْهُ، وَكُلِّ مَنِ الْتَقَتْهُمْ، وَكُلِّ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي لَمْ تَجِدْ لَهَا إِجَابَةً نِهَائِيَّةً، لَكِنَّهَا تَعَلَّمَتْ أَنْ تَعِيشَهَا بِسَلَامٍ.”
نَزَلَتْ إِلَى الصَّالَةِ، حَيْثُ كَانَ يُوسُفُ يَجْلِسُ مَعَ لِينَا، يُسَاعِدُهَا فِي مَشْرُوعٍ مَدْرَسِيٍّ، وَضَوْءُ الْمَصْبَاحِ يَرْسُمُ دَائِرَةً دَافِئَةً حَوْلَهُمَا.
“يُوسُفُ، لِينَا، تَعَالَوْا، أُرِيدُ أَنْ أُشَارِكَكُمْ شَيْئًا.”
جَلَسَا مَعَهَا، وَقَرَأَتْ لَهُمَا بَعْضَ الْمَقَاطِعِ مِنْ دَفْتَرِهَا، مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ، وَشَعَرُوا الثَّلَاثَةُ بِتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ وَهُمْ يَسْتَعِيدُونَ مَعًا هَذِهِ الرِّحْلَةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي غَيَّرَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
قَالَتْ لِينَا، بَعْدَ أَنِ انْتَهَتْ سَلْمَى مِنَ الْقِرَاءَةِ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ نُضْجًا لَمْ تَكُنْ سَلْمَى قَدْ لَاحَظَتْهُ فِيهِ مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الْوُضُوحِ:
“أُمِّي، أَشْعُرُ أَنِّي كَبِرْتُ كَثِيرًا خِلَالَ هَذَا الْعَامِ، مِنْ خِلَالِ مُرَاقَبَتِكُمَا، أَنْتِ وَأَبِي، وَأَنْتُمَا تَتَعَلَّمَانِ وَتَتَغَيَّرَانِ. أَظُنُّ أَنِّي، حِينَ أُوَاجِهُ تَحَدِّيَاتِي الْخَاصَّةَ يَوْمًا، سَأَتَذَكَّرُ هَذَا الدَّفْتَرَ، وَكُلَّ مَا تَعَلَّمْنَاهُ مَعًا.”
قَالَ يُوسُفُ:
“سَلْمَى، أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الدَّفْتَرَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْفَظَ، لَيْسَ فَقَطْ لَنَا، بَلْ رُبَّمَا، يَوْمًا، لِأَحْفَادِنَا، لِيَعْرِفُوا مِنْ أَيْنَ أَتَتْ عَائِلَتُهُمْ، وَكَيْفَ تَغَيَّرَتْ.”
فَكَّرَتْ سَلْمَى فِي هَذَا الِاقْتِرَاحِ، وَشَعَرَتْ بِحَمَاسٍ جَدِيدٍ.
“رُبَّمَا، يَوْمًا، سَأُعِيدُ كِتَابَةَ هَذَا كُلِّهِ بِشَكْلٍ أَوْضَحَ، كَيْ يَقْرَأَهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا، لَا كَوَثِيقَةٍ جَافَّةٍ، بَلْ كَحِكَايَةٍ حَيَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُلْهِمَهُمْ كَمَا أَلْهَمَتْنَا حِكَايَاتُ كُلِّ مَنِ الْتَقَيْنَاهُمْ هَذَا الْعَامَ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ نَامَتْ لِينَا، جَلَسَتْ سَلْمَى وَيُوسُفُ وَحْدَهُمَا، يَتَأَمَّلَانِ مَعًا رِحْلَتَهُمَا الطَّوِيلَةَ، وَالْبَيْتُ سَاكِنٌ مِنْ حَوْلِهِمَا كَأَنَّهُ يُصْغِي هُوَ الْآخَرُ.
قَالَ يُوسُفُ:
“أَتَعْرِفِينَ، سَلْمَى؟ حِينَ بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْهَدَفَ هُوَ ‘حَلُّ’ كُلِّ مَشَاكِلِنَا، أَنْ نَصِلَ إِلَى نُقْطَةٍ نِهَائِيَّةٍ نَكُونُ فِيهَا ‘قَدِ انْتَهَيْنَا’ مِنَ التَّغْيِيرِ. الْآنَ أُدْرِكُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ يَوْمًا الْهَدَفَ الْحَقِيقِيَّ.”
“وَمَا الْهَدَفُ الْحَقِيقِيُّ، بِرَأْيِكَ؟”
“أَظُنُّ أَنَّ الْهَدَفَ هُوَ أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَعِيشُ السُّؤَالَ نَفْسَهُ، كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جَدِيدٍ، دُونَ أَنْ نَنْتَظِرَ إِجَابَةً نِهَائِيَّةً تُوقِفُ رِحْلَةَ الْفَهْمِ. أَنْ نَبْقَى مُنْفَتِحِينَ، مُسْتَعِدِّينَ لِلتَّعَلُّمِ، حَتَّى حِينَ نَظُنُّ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى فَهْمٍ كَافٍ.”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَأَغْلَقَتْ دَفْتَرَهَا الْقَدِيمَ بِلُطْفٍ، وَوَضَعَتْهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ أَمَامَهَا، كَمَنْ يُوَدِّعُ رَفِيقًا طَوِيلَ الصُّحْبَةِ دُونَ أَنْ يُفَارِقَهُ حَقًّا.
“أَظُنُّ أَنَّكَ مُحِقٌّ، يُوسُفُ. وَأَظُنُّ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الدَّفْتَرَ، رَغْمَ أَنَّهُ بَدَأَ كَسِجِلٍّ لِأَزْمَةٍ وَاحِدَةٍ، تَحَوَّلَ إِلَى شَيْءٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ: شَهَادَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ، مَهْمَا بَدَا مُثْقَلًا بِمِيرَاثِهِ وَخَوْفِهِ، يَمْلِكُ دَائِمًا، فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، فُرْصَةً جَدِيدَةً لِيَخْتَارَ مَنْ يَكُونُ بَعْدَ مَا يَحْدُثُ لَهُ.”
نَظَرَتْ إِلَى النَّافِذَةِ، حَيْثُ كَانَتْ أَضْوَاءُ الْمَدِينَةِ تَتَلَأْلَأُ فِي اللَّيْلِ الْهَادِئِ، وَشَعَرَتْ بِسَلَامٍ عَمِيقٍ، لَا لِأَنَّ كُلَّ الْأَسْئِلَةِ قَدْ أُجِيبَتْ، بَلْ لِأَنَّهَا، أَخِيرًا، تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تَحْمِلُ الْأَسْئِلَةَ غَيْرَ الْمُجَابَةِ بِسَلَامٍ، لَا بِقَلَقٍ.
الْفَصْلُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ
فِي إِحْدَى أَمْسِيَاتِ الْخَرِيفِ، بَعْدَ عَامٍ وَنِصْفٍ مِنْ بِدَايَةِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْعَائِلِيَّةِ الطَّوِيلَةِ، جَلَسَتْ لِينَا فِي غُرْفَتِهَا، وَقَدْ أَصْبَحَتِ الْآنَ فِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ، تَكْتُبُ فِي دَفْتَرِهَا الَّذِي رَافَقَهَا طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، وَنَافِذَتُهَا مَفْتُوحَةٌ قَلِيلًا عَلَى هَوَاءِ الْخَرِيفِ الْبَارِدِ. لَكِنَّهَا، هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَمْ تَكْتُبْ يَوْمِيَّاتٍ عَادِيَّةً، بَلْ قَرَّرَتْ أَنْ تَكْتُبَ رِسَالَةً، لَنْ تُرْسِلَهَا، مُوَجَّهَةً إِلَى ابْنَتِهَا الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ، الَّتِي لَمْ تُولَدْ بَعْدُ، وَلَمْ تُخَطَّطْ لَهَا حَتَّى، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِرَغْبَةٍ غَامِضَةٍ فِي التَّحَدُّثِ إِلَيْهَا.
كَتَبَتْ لِينَا:
“إِلَى ابْنَتِي، الَّتِي رُبَّمَا لَنْ تُولَدَ إِلَّا بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْآنَ، رُبَّمَا حِينَ تَقْرَئِينَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، لَنْ أَكُونَ أَنَا نَفْسِي الَّتِي أَكْتُبُهَا الْآنَ، بَلِ امْرَأَةً مُخْتَلِفَةً، شَكَّلَتْهَا سَنَوَاتٌ لَمْ أَعِشْهَا بَعْدُ. لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ لَكِ، الْآنَ، وَأَنَا فِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ، لِأَنَّ هُنَاكَ أَشْيَاءَ أُرِيدُ أَنْ تَعْرِفِيهَا عَنِ الْمِيرَاثِ الَّذِي سَتَحْمِلِينَهُ، رُبَّمَا دُونَ أَنْ تُدْرِكِي مَصْدَرَهُ الْكَامِلَ.”
اسْتَمَرَّتْ لِينَا فِي الْكِتَابَةِ:
“جَدُّكِ يُوسُفُ كَبِرَ بِلَا أَبٍ حَاضِرٍ، وَوَرِثَ خَوْفًا عَمِيقًا مِنَ الْغِيَابِ، حَوَّلَهُ إِلَى مُرَاقَبَةٍ شَدِيدَةٍ ظَنَّهَا حُبًّا. جَدَّتُكِ سَلْمَى تَرَكَتْ وَطَنَهَا فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ، وَحَمَلَتْ مَعَهَا خَوْفًا مِنَ الْمَجْهُولِ وَرِثَتْهُ عَنْ جَدِّهَا الَّذِي فَقَدَ أُخْتَهُ الصُّغْرَى فِي حَادِثَةِ سَفَرٍ. كُلُّ هَذَا الْمِيرَاثِ، هَذَا الْخَوْفِ الْمُتَرَاكِمِ عَبْرَ أَجْيَالٍ، وَصَلَ إِلَيَّ أَنَا، ابْنَتَهُمَا، بِشَكْلٍ خَفِيٍّ، مُتَسَلِّلًا فِي تَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ لَمْ أَنْتَبِهْ إِلَيْهَا إِلَّا مُتَأَخِّرًا.”
تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، وَفَكَّرَتْ فِي كَيْفِيَّةِ صِيَاغَةِ الْجُزْءِ التَّالِي بِصِدْقٍ، وَقَلَمُهَا مُعَلَّقٌ فَوْقَ الصَّفْحَةِ كَمَنْ يَزِنُ كَلِمَاتِهِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ نَهَائِيَّةً.
“لَكِنِّي، يَا ابْنَتِي الْمُسْتَقْبَلِيَّةَ، تَعَلَّمْتُ أَيْضًا، مِنْ مُرَاقَبَةِ جَدَّيْكِ وَهُمَا يَتَغَيَّرَانِ، أَنَّ الْمِيرَاثَ لَيْسَ قَدَرًا مَحْتُومًا. رَأَيْتُ أَبِي، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ الصَّامِتَةِ، يَجْرُؤُ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِخَوْفِهِ، وَيَتَعَلَّمُ أَنْ يَسْأَلَ بَدَلَ أَنْ يَفْرِضَ. رَأَيْتُ أُمِّي تُوَاجِهُ أَبَاهَا بِصِدْقٍ بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مِنَ الصَّمْتِ، وَتُصَالِحُهُ، وَتَفْهَمُهُ، دُونَ أَنْ تُلْغِيَ حَقَّهَا فِي أَنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً عَنْهُ.”
“أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ، يَا ابْنَتِي، أَنِّي، حِينَ أَكْبَرُ، سَأُحَاوِلُ أَلَّا أُوَرِّثَكِ خَوْفِي الْخَاصَّ دُونَ وَعْيٍ، كَمَا وَرِثْتُهُ أَنَا عَنْ أَبِي وَأُمِّي. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَيْضًا أَنِّي، مَهْمَا حَاوَلْتُ، سَأَحْمِلُ بَعْضَ هَذَا الْخَوْفِ بِدَاخِلِي، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنِّي، تَشَكَّلَ عَبْرَ طُفُولَةٍ عِشْتُهَا بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ، بَيْنَ لُغَتَيْنِ، بَيْنَ هُوِيَّتَيْنِ لَمْ أَخْتَرْ أَيًّا مِنْهُمَا بِالْكَامِلِ.”
كَتَبَتْ لِينَا أَيْضًا:
“أَتَمَنَّى، يَا ابْنَتِي، أَنْ تَكُونِي أَكْثَرَ حُرِّيَّةً مِنِّي فِي مُوَاجَهَةِ هَذَا الْمِيرَاثِ. أَتَمَنَّى أَنْ أَكُونَ، أَنَا، الْجِيلَ الَّذِي يَسْأَلُ بَدَلَ أَنْ يَفْتَرِضَ، الْجِيلَ الَّذِي يَعْتَرِفُ بِخَوْفِهِ بَدَلَ أَنْ يُخْفِيَهُ خَلْفَ قِنَاعِ الْقُوَّةِ، تَمَامًا كَمَا تَعَلَّمْتُ هَذَا مِنْ جَدِّكِ يُوسُفَ، الَّذِي وَجَدَ الشَّجَاعَةَ، مُتَأَخِّرًا لَكِنْ بِصِدْقٍ، لِيَكْسِرَ صَمْتَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ.”
“وَأُرِيدُكِ أَنْ تَعْرِفِي أَيْضًا شَيْئًا آخَرَ: أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ، كَمَا تَعَلَّمْتُ مِنْ مُرَاقَبَةِ جَدَّيْكِ، لَيْسَ فِي الْحِمَايَةِ الْمُفْرِطَةِ وَلَا فِي الْإِهْمَالِ، بَلْ فِي مَسَاحَةٍ وُسْطَى، أُسَمِّيهَا ‘الْمُرَافَقَةَ’: أَنْ نَكُونَ حَاضِرِينَ، مُنْتَبِهِينَ، لَكِنْ دُونَ أَنْ نُصَادِرَ حُرِّيَّةَ مَنْ نُحِبُّ فِي اتِّخَاذِ قَرَارَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ.”
قَرَأَتْ لِينَا مَا كَتَبَتْهُ، وَشَعَرَتْ بِدُمُوعٍ تَنْهَمِرُ بِصَمْتٍ، دُمُوعٍ لَيْسَتْ حُزْنًا، بَلِ امْتِنَانًا عَمِيقًا لِكُلِّ مَا عَاشَتْهُ وَتَعَلَّمَتْهُ هَذَا الْعَامَ وَنِصْفَ الْعَامِ.
كَتَبَتْ أَخِيرًا:
“لَنْ أُرْسِلَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ إِلَيْكِ، يَا ابْنَتِي، لِأَنَّكِ، بِبَسَاطَةٍ، لَمْ تُولَدِي بَعْدُ، وَرُبَّمَا لَنْ تُولَدِي أَبَدًا، فَقَدْ أَخْتَارُ طَرِيقًا مُخْتَلِفًا فِي الْحَيَاةِ. لَكِنِّي سَأَحْتَفِظُ بِهَا، كَوَعْدٍ لِنَفْسِي: أَنْ أَعِيشَ بِوَعْيٍ، أَنْ أَخْتَارَ بِصِدْقٍ، حَتَّى إِنْ جَاءَ يَوْمٌ وَأَصْبَحْتِ حَقِيقِيَّةً، أَكُونَ قَدْ بَدَأْتُ أُعِدُّ لَكِ مِيرَاثًا أَخَفَّ وَزْنًا، أَكْثَرَ صِدْقًا، مِمَّا وُرِّثْتُهُ أَنَا.”
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، أَخْبَرَتْ لِينَا سَلْمَى بِمَا كَتَبَتْهُ، بِصَوْتٍ خَجُولٍ قَلِيلًا.
“أُمِّي، كَتَبْتُ رِسَالَةً لِابْنَتِي، الَّتِي لَمْ تُولَدْ بَعْدُ. هَلْ يَبْدُو هَذَا غَرِيبًا؟”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى بِتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ، وَشَعَرَتْ بِشَيْءٍ يَعْتَصِرُ صَدْرَهَا مِنَ الدِّفْءِ.
“لَا، يَا حَبِيبَتِي، لَيْسَ غَرِيبًا إِطْلَاقًا. أَظُنُّ أَنَّكِ، بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، فَعَلْتِ شَيْئًا لَمْ أُفَكِّرْ يَوْمًا فِي فِعْلِهِ بِهَذَا الْوُضُوحِ: كَتَبْتِ عَهْدًا وَاعِيًا مَعَ الْمُسْتَقْبَلِ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ حَتَّى. هَذَا نُضْجٌ عَمِيقٌ، يَا لِينَا، لِفَتَاةٍ فِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ.”
“هَلْ تَظُنِّينَ أَنِّي سَأَكُونُ أُمًّا جَيِّدَةً يَوْمًا، أُمِّي؟”
فَكَّرَتْ سَلْمَى طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ، إِذْ لَمْ تُرِدْ أَنْ تُجِيبَ إِجَابَةً سَهْلَةً عَنْ سُؤَالٍ لَيْسَ سَهْلًا.
“لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَضْمَنَ هَذَا مُسْبَقًا، يَا لِينَا. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ أَعْظَمَ اسْتِعْدَادٍ يُمْكِنُ أَنْ يَمْتَلِكَهُ أَيُّ إِنْسَانٍ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ أَبًا أَوْ أُمًّا، هُوَ الْوَعْيُ الَّذِي تَحْمِلِينَهُ أَنْتِ الْآنَ: وَعْيٌ بِمِيرَاثِكِ، وَعْيٌ بِاخْتِيَارَاتِكِ، وَرَغْبَةٌ صَادِقَةٌ فِي أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا أَفْضَلَ مِمَّا وُرِّثْتِهِ، دُونَ أَنْ تُنْكِرِي قِيمَةَ مَا وُرِّثْتِهِ أَصْلًا.”
احْتَضَنَتْ سَلْمَى ابْنَتَهَا بِحَرَارَةٍ، وَشَعَرَتْ أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا الظَّاهِرَةِ، كَانَتْ وَاحِدَةً مِنْ أَعْمَقِ اللَّحَظَاتِ الَّتِي عَاشَتْهَا فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ كُلِّهَا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ نَامَتْ لِينَا، حَكَتْ سَلْمَى لِيُوسُفَ عَنِ الرِّسَالَةِ، وَعَنِ الْحِوَارِ الَّذِي دَارَ بَيْنَهُمَا، وَصَوْتُهَا يَحْمِلُ رِعْشَةً خَفِيفَةً مِنَ التَّأَثُّرِ لَمْ تَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهَا تَمَامًا.
“يُوسُفُ، أَظُنُّ أَنَّ لِينَا، بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، أَعْطَتْنَا هَدِيَّةً لَمْ نَتَوَقَّعْهَا: دَلِيلًا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا مَرَرْنَا بِهِ هَذَا الْعَامَ لَمْ يَذْهَبْ هَبَاءً، بَلْ تَرَسَّخَ فِيهَا بِشَكْلٍ سَيُصَاحِبُهَا طَوَالَ حَيَاتِهَا.”
“أَظُنُّ أَيْضًا أَنَّهَا ذَكَّرَتْنَا بِشَيْءٍ مُهِمٍّ: أَنَّ التَّرْبِيَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِيمَا نَقُولُهُ لِأَبْنَائِنَا، بَلْ فِيمَا يَرَوْنَهُ فِينَا. لِينَا لَمْ تَتَعَلَّمْ هَذَا الْوَعْيَ مِنْ مُحَاضَرَةٍ أَلْقَيْنَاهَا عَلَيْهَا، بَلْ مِنْ مُرَاقَبَتِنَا نَحْنُ، وَأَنْتِ وَأَنَا نَتَغَيَّرُ أَمَامَ عَيْنَيْهَا، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ.”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَشَعَرَتْ بِامْتِنَانٍ لَا يُوصَفُ لِهَذَا الْجِيلِ الْجَدِيدِ الَّذِي بَدَأَ يَحْمِلُ شُعْلَةَ التَّغْيِيرِ بِثِقَةٍ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا فِي مِثْلِ سِنِّهِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ
لَمْ تَكُنْ فَرَحُ، ابْنَةُ عَمِّ لِينَا، جُزْءًا مُبَاشِرًا مِنْ كُلِّ مَا مَرَّتْ بِهِ عَائِلَةُ سَلْمَى وَيُوسُفَ هَذَا الْعَامَ: لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً فِي الْمَشْفَى، وَلَا فِي حِوَارَاتِ الِاعْتِرَافِ الصَّعْبَةِ، وَلَا فِي رِحْلَةِ سَلْمَى إِلَى بَلَدِهَا الْأُمِّ. لَكِنَّهَا، رَغْمَ ذَلِكَ، وَجَدَتْ نَفْسَهَا، عَبْرَ مُرَاقَبَتِهَا الْمُسْتَمِرَّةِ لِصَدِيقَتِهَا الْمُقَرَّبَةِ لِينَا، مُتَأَثِّرَةً بِعُمْقٍ بِكُلِّ مَا حَدَثَ، وَكَأَنَّ دَوَائِرَ التَّغْيِيرِ الَّتِي بَدَأَتْ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ امْتَدَّتْ، دُونَ قَصْدٍ، لِتَلْمِسَ بُيُوتًا أُخْرَى.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، بَعْدَ مَدْرَسَتِهِمَا، جَلَسَتْ فَرَحُ مَعَ لِينَا فِي حَدِيقَةٍ صَغِيرَةٍ قَرِيبَةٍ، وَالشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الْمَغِيبِ بِبُطْءٍ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُثْقَلٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَيْرَةِ:
“لِينَا، لَاحَظْتُ تَغَيُّرًا كَبِيرًا فِيكِ هَذَا الْعَامَ. تَتَحَدَّثِينَ بِثِقَةٍ أَكْبَرَ، تُعَبِّرِينَ عَنْ رَأْيِكِ بِوُضُوحٍ، حَتَّى مَعَ أَهْلِكِ. أَشْعُرُ بِغَيْرَةٍ خَفِيفَةٍ، بِصَرَاحَةٍ.”
سَأَلَتْهَا لِينَا:
“غَيْرَةٍ؟ مِنْ مَاذَا بِالتَّحْدِيدِ؟”
“مِنْ أَنَّ أَهْلَكِ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكِ بِجِدِّيَّةٍ. أَهْلِي، رَغْمَ حُبِّهِمْ لِي، مَا زَالُوا يَتَعَامَلُونَ مَعِي كَطِفْلَةٍ، حَتَّى فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ. حِينَ أُحَاوِلُ التَّعْبِيرَ عَنْ رَأْيِي، يُقَالُ لِي: ‘أَنْتِ صَغِيرَةٌ، لَا تَفْهَمِينَ هَذِهِ الْأُمُورَ’.”
فَكَّرَتْ لِينَا فِي كَلَامِ صَدِيقَتِهَا، وَتَذَكَّرَتْ كَيْفَ كَانَتْ هِيَ نَفْسُهَا، قَبْلَ عَامٍ فَقَطْ، تَشْعُرُ بِالشَّيْءِ نَفْسِهِ بِالضَّبْطِ.
“فَرَحُ، هَلْ تَعْرِفِينَ لِمَاذَا تَغَيَّرَ أَهْلِي هَذَا الْعَامَ؟ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ سَهْلًا، وَلَا سَرِيعًا. بَدَأَ بِأَزْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، مَرَضِ جَدِّي، ثُمَّ اعْتِرَافَاتٍ صَعْبَةٍ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ مُحَادَثَاتٍ كَثِيرَةٍ، بَعْضُهَا مُؤْلِمٌ جِدًّا. لَمْ يَسْتَيْقِظَا يَوْمًا وَقَرَّرَا فَجْأَةً أَنْ يُصْبِحَا أَبَوَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.”
“وَكَيْفَ بَدَأَ كُلُّ هَذَا التَّغْيِيرِ؟ مِنْ أَيْنَ أَتَتِ الشَّجَاعَةُ الْأُولَى؟”
فَكَّرَتْ لِينَا طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَعَيْنَاهَا شَارِدَتَانِ فِي فَرْعِ شَجَرَةٍ يَتَمَايَلُ بِخِفَّةٍ فَوْقَهُمَا.
“أَظُنُّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَدَأَ حِينَ تَجَرَّأَتْ أُمِّي عَلَى طَرْحِ سُؤَالٍ صَعْبٍ عَلَى نَفْسِهَا، ثُمَّ عَلَى أَبِي: هَلْ نَحْنُ سُعَدَاءُ حَقًّا، أَمْ نَعِيشُ فَقَطْ نَمَطًا اعْتَدْنَا عَلَيْهِ دُونَ تَفْكِيرٍ؟ رُبَّمَا، فَرَحُ، عَلَيْكِ أَنْتِ أَيْضًا أَنْ تَبْدَئِي بِسُؤَالٍ صَغِيرٍ، لَا بِمُوَاجَهَةٍ كَبِيرَةٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً.”
“وَمَا هَذَا السُّؤَالُ، بِرَأْيِكِ؟”
“رُبَّمَا تَسْأَلِينَ أَهْلَكِ، بِهُدُوءٍ، لَا بِغَضَبٍ: لِمَاذَا تَشْعُرُونَ أَنَّ رَأْيِي لَا يَسْتَحِقُّ الِاسْتِمَاعَ إِلَيْهِ؟ مَا الَّذِي يُخِيفُكُمْ مِنَ الِاسْتِمَاعِ إِلَيَّ بِجِدِّيَّةٍ؟”
فَكَّرَتْ فَرَحُ فِي هَذَا الِاقْتِرَاحِ، وَشَعَرَتْ بِمَزِيجٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْأَمَلِ.
“أَخَافُ أَنْ يَغْضَبُوا مِنِّي، لِينَا.”
“أَفْهَمُ هَذَا الْخَوْفَ، فَرَحُ. أُمِّي نَفْسُهَا خَافَتْ طَوِيلًا مِنْ مُوَاجَهَةِ جَدِّي، وَمِنْ مُوَاجَهَةِ أَبِي أَيْضًا. لَكِنَّهَا اكْتَشَفَتْ أَنَّ الصَّمْتَ، عَلَى الْمَدَى الطَّوِيلِ، يُؤْلِمُ أَكْثَرَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ الْمُؤَقَّتَةِ.”
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، دَعَتْ لِينَا فَرَحَ لِتَنَاوُلِ الْعَشَاءِ فِي بَيْتِهَا، لِتَلْتَقِيَ بِعَائِلَتِهَا عَنْ قُرْبٍ، وَتَرَى، بِنَفْسِهَا، كَيْفَ يَتَحَاوَرُ يُوسُفُ وَسَلْمَى مَعَ ابْنَتِهِمَا.
خِلَالَ الْعَشَاءِ، سَأَلَتْ سَلْمَى فَرَحَ بِلُطْفٍ عَنْ دِرَاسَتِهَا وَأَحْلَامِهَا، وَاسْتَمَعَتْ لِإِجَابَاتِهَا بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ، لَا كَسُؤَالٍ رُوتِينِيٍّ عَابِرٍ.
بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ فَرَحُ ذَلِكَ الْمَسَاءَ، اتَّصَلَتْ بِلِينَا فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهَا، وَصَوْتُهَا يَحْمِلُ تَأَثُّرًا لَمْ تُخْفِهِ.
“لِينَا، شَعَرْتُ اللَّيْلَةَ بِشَيْءٍ لَمْ أَشْعُرْ بِهِ مِنْ قَبْلُ: أَنَّ رَأْيِي، مَهْمَا كَانَ بَسِيطًا، يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْمَعَ. أُمُّكِ سَأَلَتْنِي عَنْ حُلْمِي فِي دِرَاسَةِ التَّصْمِيمِ، وَاسْتَمَعَتْ لِي طَوِيلًا، وَكَأَنَّ مَا أَقُولُهُ مُهِمٌّ فِعْلًا.”
فِي الْأُسْبُوعِ التَّالِي، بَادَرَتْ فَرَحُ، بِشَجَاعَةٍ اسْتَمَدَّتْهَا مِنْ هَذَا اللِّقَاءِ، بِمُحَادَثَةِ أَهْلِهَا.
قَالَتْ لِأُمِّهَا، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ وَاضِحٌ:
“أُمِّي، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا: لِمَاذَا تَشْعُرِينَ أَنَّ رَأْيِي لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِجِدِّيَّةٍ؟”
فُوجِئَتْ أُمُّهَا بِالسُّؤَالِ الْمُبَاشِرِ، وَبَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، قَالَتْ:
“لَمْ أَقْصِدْ أَنْ أُشْعِرَكِ بِهَذَا، يَا فَرَحُ. رُبَّمَا اعْتَدْتُ أَنْ أَرَاكِ طِفْلَتِي الصَّغِيرَةَ، وَنَسِيتُ أَنَّكِ كَبِرْتِ، وَأَنَّ لَدَيْكِ رَأْيًا يَسْتَحِقُّ الِاسْتِمَاعَ إِلَيْهِ.”
بَدَأَ هَذَا الْحِوَارُ سِلْسِلَةَ مُحَادَثَاتٍ أُخْرَى بَيْنَ فَرَحَ وَأَهْلِهَا، لَمْ تَكُنْ سَهْلَةً دَائِمًا، لَكِنَّهَا فَتَحَتْ بَابًا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مِنْ قَبْلُ.
حَكَتْ فَرَحُ لِلِينَا، بَعْدَ أَسَابِيعَ:
“لِينَا، أَظُنُّ أَنَّ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِكِ هَذَا الْعَامَ لَمْ يَبْقَ مَحْصُورًا فِيهِ. أَثَّرَ فِيَّ أَنَا أَيْضًا، رَغْمَ أَنِّي لَمْ أَعِشْ أَيًّا مِنْ أَحْدَاثِهِ مُبَاشَرَةً. رَأَيْتُ التَّغْيِيرَ مُمْكِنًا، فَتَجَرَّأْتُ أَنْ أَطْلُبَهُ لِنَفْسِي.”
ابْتَسَمَتْ لِينَا، وَشَعَرَتْ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ لِصَدِيقَتِهَا.
“أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ أَجْمَلُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ، فَرَحُ: أَنْ يَتَحَوَّلَ التَّغْيِيرُ الَّذِي بَدَأَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ إِلَى مَوْجَةٍ تَلْمِسُ بُيُوتًا أُخْرَى، دُونَ أَنْ يُخَطِّطَ أَحَدٌ لِهَذَا، فَقَطْ لِأَنَّ النَّاسَ يُرَاقِبُونَ بَعْضَهُمْ، وَيَسْتَلْهِمُونَ الشَّجَاعَةَ مِنْ شَجَاعَةِ مَنْ حَوْلَهُمْ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حَكَتْ لِينَا لِأُمِّهَا عَنْ تَطَوُّرَاتِ فَرَحَ مَعَ أَهْلِهَا.
قَالَتْ سَلْمَى، بِتَأَمُّلٍ عَمِيقٍ، وَنَظْرَةٌ بَعِيدَةٌ تَعْلُو وَجْهَهَا كَمَنْ يَرَى خُيُوطًا كَانَتْ خَفِيَّةً وَقَدْ بَدَأَتْ تَتَّضِحُ الْآنَ:
“يَا لِينَا، هَذَا يُذَكِّرُنِي بِشَيْءٍ تَعَلَّمْتُهُ هَذَا الْعَامَ: أَنَّ التَّغْيِيرَ الْحَقِيقِيَّ نَادِرًا مَا يَبْقَى مَعْزُولًا فِي مَكَانِهِ الْأَوَّلِ. حِينَ نُشَجِّعُ أَنْفُسَنَا عَلَى الصِّدْقِ، فَإِنَّنَا، دُونَ أَنْ نَقْصِدَ، نَمْنَحُ مَنْ حَوْلَنَا إِذْنًا ضِمْنِيًّا لِيَفْعَلُوا الشَّيْءَ نَفْسَهُ. رُبَّمَا هَذَا هُوَ أَثَرُ الْحَدَثِ الْحَقِيقِيُّ: لَيْسَ فَقَطْ مَا يُغَيِّرُهُ فِينَا، بَلْ مَا يُوقِظُهُ فِي الْآخَرِينَ، حَتَّى فِيمَنْ لَمْ يَعِيشُوهُ مُبَاشَرَةً.”
الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ
بَعْدَ عَامٍ وَنِصْفٍ مِنْ زِيَارَةِ سَلْمَى لِأَبِيهَا، فَاجَأَتْ مِيسَاءُ الْجَمِيعَ بِزِيَارَةٍ قَصِيرَةٍ إِلَى أَلْمَانِيَا، فِي طَرِيقِهَا مِنْ تُورُنْتُو إِلَى مُؤْتَمَرٍ مِهَنِيٍّ فِي بَارِيسَ. اغْتَنَمَتِ الْفُرْصَةَ لِتَمُرَّ عَلَى أُخْتِهَا لِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَتِ الزِّيَارَاتُ بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ تَكْرَارًا وَصِدْقًا مُنْذُ ذَلِكَ اللِّقَاءِ الثُّلَاثِيِّ فِي الْمَشْفَى.
اسْتَقْبَلَتْهَا سَلْمَى بِحَفَاوَةٍ بَالِغَةٍ فِي الْمَطَارِ، وَاحْتَضَنَتْهَا طَوِيلًا، كَمَنْ يُعَوِّضُ شَوْقًا تَرَاكَمَ عَبْرَ أَشْهُرِ الْغِيَابِ.
“مِيسَاءُ، افْتَقَدْتُكِ كَثِيرًا. كَيْفَ حَالُكِ؟ كَيْفَ سَارَتِ الْأُمُورُ مَعَ أَبِي بَعْدَ زِيَارَتِنَا مَعًا؟”
ابْتَسَمَتْ مِيسَاءُ وَهُمَا تَسِيرَانِ نَحْوَ السَّيَّارَةِ.
“تَحَسَّنَتِ الْعَلَاقَةُ كَثِيرًا، سَلْمَى. مَا زِلْنَا نَخْتَلِفُ أَحْيَانًا، خَاصَّةً حِينَ يَسْأَلُنِي عَنِ الزَّوَاجِ، لَكِنَّ الْحِوَارَ أَصْبَحَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا. لَمْ يَعُدْ يَفْرِضُ رَأْيَهُ، بَلْ يَسْأَلُ، وَأَنَا أَشْرَحُ، وَأَحْيَانًا نَتَّفِقُ، وَأَحْيَانًا نَتَّفِقُ عَلَى الِاخْتِلَافِ بِسَلَامٍ، لَا بِغَضَبٍ.”
“وَمَاذَا عَنْ حَيَاتِكِ الْمِهَنِيَّةِ؟ مَا زِلْتِ سَعِيدَةً بِعَمَلِكِ؟”
“سَعِيدَةٌ جِدًّا. تَوَسَّعَ اسْتُودْيُو التَّصْمِيمِ الْخَاصُّ بِي، وَأَخِيرًا أَشْعُرُ أَنِّي أَعِيشُ الْحَيَاةَ الَّتِي اخْتَرْتُهَا بِحَقٍّ، لَا الْحَيَاةَ الَّتِي كُنْتُ أَهْرُبُ بِهَا مِنْ خَوْفٍ قَدِيمٍ.”
فِي الْمَسَاءِ، جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ الْمُمْتَدَّةُ كُلُّهَا: سَلْمَى وَيُوسُفُ وَلِينَا، وَمِيسَاءُ، وَحَتَّى نَجَاةُ الَّتِي مَرَّتْ لِتَطْمَئِنَّ، حَوْلَ مَائِدَةِ الْعَشَاءِ، فِي مَشْهَدٍ يُذَكِّرُ الْجَمِيعَ بِتِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ، حِينَ بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ بِخَبَرٍ مُؤْلِمٍ.
قَالَتْ مِيسَاءُ، وَهِيَ تَنْظُرُ حَوْلَهَا بِامْتِنَانٍ:
“أَشْعُرُ أَنَّنَا، كَعَائِلَةٍ، أَصْبَحْنَا مُخْتَلِفِينَ تَمَامًا عَمَّا كُنَّا عَلَيْهِ. أَتَذَكَّرُ كَيْفَ كَانَتْ لِقَاءَاتُنَا الْعَائِلِيَّةُ قَبْلَ عَامَيْنِ: مُجَامَلَاتٌ سَطْحِيَّةٌ، أَحَادِيثُ عَنِ الطَّقْسِ وَالطَّعَامِ، وَأَسْئِلَةٌ رُوتِينِيَّةٌ عَنِ الْعَمَلِ وَالزَّوَاجِ، دُونَ أَيِّ عُمْقٍ حَقِيقِيٍّ.”
قَالَتْ لِينَا، بِثِقَةٍ اعْتَادَتْهَا الْآنَ:
“خَالَتِي مِيسَاءُ، أَظُنُّ أَنَّ أَكْثَرَ مَا تَغَيَّرَ هُوَ أَنَّنَا تَعَلَّمْنَا أَنْ نَسْأَلَ بَعْضَنَا: كَيْفَ تَشْعُرُونَ حَقًّا؟ لَا فَقَطْ: مَاذَا تَفْعَلُونَ؟”
ابْتَسَمَتْ مِيسَاءُ بِإِعْجَابٍ.
“لِينَا، أَنْتِ مُذْهِلَةٌ. فِي سِنِّكِ، كُنْتُ أَنَا غَارِقَةً فِي مُحَاوَلَةِ إِرْضَاءِ تَوَقُّعَاتِ الْجَمِيعِ، بَيْنَمَا أَنْتِ، بِوُضُوحٍ يَحْسُدُكِ عَلَيْهِ كَثِيرُونَ فِي مِثْلِ عُمْرِكِ، تَفْهَمِينَ الْفَرْقَ بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ.”
بَعْدَ الْعَشَاءِ، جَلَسَتْ سَلْمَى وَمِيسَاءُ وَحْدَهُمَا فِي الشُّرْفَةِ، يَحْتَسِيَانِ الشَّايَ، وَالْهَوَاءُ اللَّيْلِيُّ يَحْمِلُ بُرُودَةً خَفِيفَةً تُشْعِرُ الْجَسَدَ بِرَاحَةٍ بَعْدَ يَوْمٍ طَوِيلٍ.
قَالَتْ مِيسَاءُ:
“سَلْمَى، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِشَيْءٍ لَمْ أُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا بَعْدُ، حَتَّى أَبِي.”
“تَفَضَّلِي، أَنَا أَسْتَمِعُ.”
“الْتَقَيْتُ بِرَجُلٍ فِي تُورُنْتُو، مُنْذُ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ. عَلَاقَتُنَا جَادَّةٌ، وَأُفَكِّرُ جِدِّيًّا فِي الزَّوَاجِ مِنْهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِي أُفَكِّرُ فِي هَذَا بِجِدِّيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لَا هُرُوبًا مِنْ رَفْضٍ سَابِقٍ وَلَا اسْتِجَابَةً لِضَغْطٍ عَائِلِيٍّ.”
فَرِحَتْ سَلْمَى بِشِدَّةٍ، وَلَمَعَتْ عَيْنَاهَا.
“مِيسَاءُ، هَذَا خَبَرٌ رَائِعٌ! لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرِينِي مِنْ قَبْلُ؟”
“أَرَدْتُ أَنْ أَتَأَكَّدَ أَوَّلًا أَنَّ قَرَارِي نَابِعٌ مِنْ رَغْبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لَا مِنْ مُحَاوَلَةِ إِثْبَاتِ شَيْءٍ لِأَحَدٍ، حَتَّى لِنَفْسِي. بَعْدَ كُلِّ مَا تَعَلَّمْتُهُ هَذَا الْعَامَ وَنِصْفَ الْعَامِ، مِنْ رِحْلَتِكِ، وَمِنْ حَدِيثِنَا فِي الْمَشْفَى، أَرَدْتُ أَنْ أَتَأَكَّدَ أَنِّي أَخْتَارُ هَذَا الزَّوَاجَ، لَا أَنَّهُ يَفْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيَّ بِأَيِّ شَكْلٍ مِنَ الْأَشْكَالِ.”
“وَكَيْفَ عَرَفْتِ أَنَّ هَذَا الِاخْتِيَارَ حَقِيقِيٌّ؟”
فَكَّرَتْ مِيسَاءُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ.
“عَرَفْتُ حِينَ وَجَدْتُ نَفْسِي أَتَحَدَّثُ مَعَهُ بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ عَنْ مَخَاوِفِي، عَنْ مِيرَاثِي الْعَائِلِيِّ، عَنْ كُلِّ مَا تَعَلَّمْتُهُ مِنْكِ وَمِنْ أَبِي هَذَا الْعَامَ. لَمْ يَهْرُبْ مِنْ هَذِهِ الْمُحَادَثَاتِ الصَّعْبَةِ، بَلْ خَاضَهَا مَعِي، بِصَبْرٍ وَفَهْمٍ. أَدْرَكْتُ، حِينَهَا، أَنِّي وَجَدْتُ شَرِيكًا حَقِيقِيًّا، لَا مُجَرَّدَ ‘خِيَارٍ مَقْبُولٍ اجْتِمَاعِيًّا’.”
احْتَضَنَتْ سَلْمَى أُخْتَهَا بِحَرَارَةٍ.
“مِيسَاءُ، أَنَا سَعِيدَةٌ جِدًّا مِنْ أَجْلِكِ. وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُثْبِتُ شَيْئًا جَمِيلًا: أَنَّ كُلَّ مَا مَرَرْنَا بِهِ، رَغْمَ كُلِّ الْأَلَمِ الَّذِي حَمَلَهُ، فَتَحَ لَنَا، نَحْنُ الِاثْنَتَيْنِ، أَبْوَابًا لَمْ نَكُنْ لِنَعْبُرَهَا لَوْ بَقِينَا فِي صَمْتِنَا الْقَدِيمِ.”
“صَحِيحٌ. وَأُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ مِنْكِ شَيْئًا: هَلْ تَقْبَلِينَ أَنْ تَكُونِي شَاهِدَتِي فِي الزَّوَاجِ، حِينَ يَحِينُ الْوَقْتُ؟”
دَمَعَتْ عَيْنَا سَلْمَى بِفَرَحٍ.
“سَأَكُونُ فَخُورَةً جِدًّا بِهَذَا، مِيسَاءُ.”
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ مِيسَاءُ إِلَى بَارِيسَ، جَلَسَتْ مَعَ لِينَا لِبَعْضِ الْوَقْتِ، وَحَدَّثَتْهَا عَنْ رِحْلَتِهَا الْخَاصَّةِ.
“لِينَا، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ شَيْئًا: لَا تَخَافِي مِنْ أَنْ تَسْلُكِي طَرِيقًا مُخْتَلِفًا عَمَّا يَتَوَقَّعُهُ الْآخَرُونَ مِنْكِ. أَنَا سَلَكْتُ طَرِيقًا مُخْتَلِفًا لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَوَاجَهْتُ انْتِقَادًا كَثِيرًا بِسَبَبِهِ، لَكِنِّي، فِي النِّهَايَةِ، وَصَلْتُ إِلَى مَكَانٍ أَشْعُرُ فِيهِ بِالسَّلَامِ الْحَقِيقِيِّ مَعَ اخْتِيَارَاتِي.”
ابْتَسَمَتْ لِينَا، وَقَالَتْ:
“شُكْرًا لَكِ، خَالَتِي. أَظُنُّ أَنِّي، بِفَضْلِ كُلِّ مَا رَأَيْتُهُ مِنْكِ وَمِنْ أُمِّي هَذَا الْعَامَ، لَنْ أَخَافَ مِنَ اخْتِيَارَاتِي الْخَاصَّةِ، مَهْمَا بَدَتْ مُخْتَلِفَةً عَنِ الْمَأْلُوفِ.”
عَانَقَتْ مِيسَاءُ ابْنَةَ أُخْتِهَا بِحَرَارَةٍ، وَغَادَرَتْ إِلَى الْمَطَارِ، تَارِكَةً وَرَاءَهَا بَيْتًا أَكْثَرَ دِفْئًا، وَقَلْبًا مُطْمَئِنًّا بِأَنَّ رِحْلَتَهَا الْخَاصَّةَ، مَهْمَا طَالَتْ وَاخْتَلَفَتْ عَنْ مَسَارَاتِ مَنْ حَوْلَهَا، وَصَلَتْ أَخِيرًا إِلَى مَكَانٍ تَسْتَحِقُّهُ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ
مَرَّتْ أَكْثَرُ مِنْ سَنَتَيْنِ عَلَى تِلْكَ الْمُحَادَثَةِ الْأُولَى بَيْنَ سَلْمَى وَهِيلْغَا، حَوْلَ الْبَابِ الْمُوَارَبِ وَحِكْمَةِ هَانْز، تِلْكَ الْمُحَادَثَةُ الَّتِي بَدَتْ آنَذَاكَ عَابِرَةً كَحَدِيثِ جَارَتَيْنِ فَوْقَ فِنْجَانِ قَهْوَةٍ، لَكِنَّهَا تَرَكَتْ فِي دَاخِلِ سَلْمَى أَثَرًا لَمْ يَغِبْ. أَصْبَحَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا، مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ، أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ جِيرَةٍ وَدُودَةٍ؛ تَحَوَّلَتْ إِلَى صَدَاقَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، تَتَشَارَكُ فِيهَا الْمَرْأَتَانِ تَفَاصِيلَ حَيَاتِهِمَا بِصِدْقٍ مُتَزَايِدٍ، كَمَنْ يَفْتَحُ، شَيْئًا فَشَيْئًا، أَبْوَابًا كَانَتْ مُوصَدَةً بِعِنَايَةٍ.
فِي أُمْسِيَةٍ بَارِدَةٍ، دَعَتْ هِيلْغَا سَلْمَى لِتَنَاوُلِ الْقَهْوَةِ، وَبَدَتْ عَلَيْهَا، هَذِهِ الْمَرَّةَ، مَلَامِحُ تَوَتُّرٍ لَمْ تَعْتَدْهَا سَلْمَى فِيهَا مِنْ قَبْلُ، كَأَنَّ شَيْئًا مَا كَانَ يَتَحَرَّكُ تَحْتَ سَطْحِ هُدُوئِهَا الْمُعْتَادِ.
«سَلْمَى، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِشَيْءٍ لَمْ أُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا مِنْ قَبْلُ، وَلَا حَتَّى أَوْلَادِي.»
جَلَسَتْ سَلْمَى بِانْتِبَاهٍ، تُحِسُّ بِثِقَلِ مَا تُوشِكُ هِيلْغَا أَنْ تَبُوحَ بِهِ، وَكَأَنَّ الْغُرْفَةَ نَفْسَهَا قَدْ حَبَسَتْ أَنْفَاسَهَا انْتِظَارًا.
«أَنَا أَسْتَمِعُ، يَا هِيلْغَا، خُذِي وَقْتَكِ.»
تَنَفَّسَتْ هِيلْغَا بِعُمْقٍ، كَمَنْ يُهَيِّئُ نَفْسَهُ لِعُبُورِ مَسَافَةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ بَدَأَتْ:
«قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَ هَانْز، كُنْتُ مُتَزَوِّجَةً مِنْ رَجُلٍ آخَرَ. لَمْ أَتَحَدَّثْ عَنْ هَذَا أَبَدًا، لِأَنَّ ذَلِكَ الزَّوَاجَ انْتَهَى بِطَرِيقَةٍ مُؤْلِمَةٍ جِدًّا، وَتَعَلَّمْتُ، مَعَ الْوَقْتِ، أَنْ أَدْفِنَهُ فِي الْمَاضِي، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ قَطُّ.»
«مَاذَا حَدَثَ، يَا هِيلْغَا، إِنْ كُنْتِ مُسْتَعِدَّةً لِمُشَارَكَتِي؟»
«تَزَوَّجْتُ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِي، مِنْ رَجُلٍ أَحْبَبْتُهُ بِجُنُونٍ. لَكِنَّ الزَّوَاجَ تَحَوَّلَ، خِلَالَ سَنَتَيْنِ فَقَطْ، إِلَى عَلَاقَةٍ مُؤْذِيَةٍ. كَانَ يُسَيْطِرُ عَلَى كُلِّ تَفْصِيلٍ فِي حَيَاتِي، يَمْنَعُنِي مِنْ رُؤْيَةِ أَصْدِقَائِي، يُرَاقِبُ كُلَّ خَطْوَةٍ أَخْطُوهَا، وَيُهَدِّدُنِي حِينَ أُحَاوِلُ الِاعْتِرَاضَ.»
شَعَرَتْ سَلْمَى بِصَدْمَةٍ عَمِيقَةٍ، فَلَمْ تَكُنْ تَتَخَيَّلُ أَنَّ هِيلْغَا، الْمَرْأَةَ الْحَكِيمَةَ الْهَادِئَةَ الَّتِي تَعْرِفُهَا، قَدْ مَرَّتْ بِتَجْرِبَةٍ كَهَذِهِ، وَكَأَنَّ صُورَتَهَا الَّتِي رَسَمَتْهَا فِي ذِهْنِهَا عَنْ جَارَتِهَا قَدِ اهْتَزَّتْ فَجْأَةً لِتَكْشِفَ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً.
«كَيْفَ خَرَجْتِ مِنْ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ، يَا هِيلْغَا؟»
«اسْتَغْرَقَ الْأَمْرُ وَقْتًا طَوِيلًا، وَشَجَاعَةً لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنِّي أَمْلِكُهَا. فِي النِّهَايَةِ، سَاعَدَتْنِي أُخْتِي عَلَى الْهُرُوبِ سِرًّا، فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ أَعُدْ أَبَدًا. طَلَبْتُ الطَّلَاقَ، وَوَاجَهْتُ وَصْمَةً اجْتِمَاعِيَّةً كَبِيرَةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ شَائِعًا كَمَا هُوَ الْآنَ، خَاصَّةً لِسَبَبٍ كَهَذَا لَمْ يَكُنْ يُنَاقَشُ عَلَنًا.»
«وَكَيْفَ الْتَقَيْتِ هَانْز بَعْدَ ذَلِكَ؟»
«بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنَ الْعُزْلَةِ وَالتَّعَافِي، الْتَقَيْتُ هَانْز فِي حَفْلٍ عَائِلِيٍّ. كَانَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنْ زَوْجِي الْأَوَّلِ: هَادِئًا، صَبُورًا، لَا يَفْرِضُ رَأْيَهُ أَبَدًا. فِي الْبِدَايَةِ، خِفْتُ أَنْ أَثِقَ بِهِ، خِفْتُ أَنْ يَتَكَرَّرَ الْكَابُوسُ نَفْسُهُ. لَكِنَّهُ، بِصَبْرٍ اسْتَمَرَّ أَشْهُرًا، أَثْبَتَ لِي أَنَّ هُنَاكَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الْحُبِّ، لَا يُشْبِهُ مَا عِشْتُهُ مِنْ قَبْلُ.»
قَالَتْ سَلْمَى، بِتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ:
«هِيلْغَا، هَذَا يُفَسِّرُ الْكَثِيرَ عَنْ حِكْمَتِكِ الَّتِي شَارَكْتِهَا مَعِي مُنْذُ سَنَتَيْنِ، عَنِ الْفَارِقِ بَيْنَ الِاهْتِمَامِ وَالْمُرَاقَبَةِ. كُنْتِ تَتَحَدَّثِينَ مِنْ تَجْرِبَةٍ عَمِيقَةٍ جِدًّا، لَا مِنْ نَظَرِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ.»
«بِالضَّبْطِ، يَا سَلْمَى. حِينَ رَأَيْتُكِ تَصِفِينَ عَلَاقَتَكِ بِيُوسُفَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْأُولَى، تَعَرَّفْتُ عَلَى أَنْمَاطٍ رَأَيْتُهَا فِي زَوَاجِي الْأَوَّلِ، رَغْمَ أَنَّ يُوسُفَ، بِوُضُوحٍ، لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ الْأَذَى كَمَا فَعَلَ زَوْجِي الْأَوَّلُ. أَرَدْتُ أَنْ أُسَاعِدَكِ، لَكِنِّي لَمْ أَشَأْ أَنْ أُخِيفَكِ بِمُشَارَكَةِ قِصَّتِي الْكَامِلَةِ، خَشْيَةَ أَنْ تُفَسِّرِي ذَلِكَ مُقَارَنَةً غَيْرَ عَادِلَةٍ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ.»
«لِمَاذَا تُخْبِرِينَنِي بِهَذَا الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْوَقْتِ؟»
فَكَّرَتْ هِيلْغَا طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَكَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنِ الْكَلِمَاتِ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ دَاخِلَهَا لَمْ تَزُرْهُ مُنْذُ سِنِينَ.
«لِأَنِّي رَأَيْتُ، فِي هَذَيْنِ الْعَامَيْنِ، كَمْ تَغَيَّرْتِ أَنْتِ، وَكَمْ تَغَيَّرَ يُوسُفُ، وَكَمْ أَثَّرَ هَذَا فِي لِينَا، وَحَتَّى فِي أَصْدِقَائِكُمْ مِنْ حَوْلِكُمْ. شَعَرْتُ أَنَّ الْوَقْتَ حَانَ لِأُشَارِكَ أَنَا أَيْضًا حِكَايَتِي الْكَامِلَةَ، لَا نِصْفَهَا فَقَطْ. أَظُنُّ أَنِّي، طَوَالَ سَنَوَاتٍ، حَمَلْتُ هَذَا السِّرَّ بِصَمْتٍ، ظَانَّةً أَنَّ مُشَارَكَتَهُ سَتُظْهِرُنِي ضَعِيفَةً، أَوْ سَتُذَكِّرُ النَّاسَ بِمَاضٍ أَفْضَلُ تَرَكْتُهُ خَلْفِي تَمَامًا.»
«وَهَلْ تَشْعُرِينَ الْآنَ، بَعْدَ أَنْ شَارَكْتِنِي هَذَا، بِخِفَّةٍ؟»
ابْتَسَمَتْ هِيلْغَا، وَدُمُوعُهَا تَلْمَعُ فِي عَيْنَيْهَا، كَقَطَرَاتِ نَدًى تُقَاوِمُ السُّقُوطَ.
«أَشْعُرُ بِخِفَّةٍ لَمْ أَعْرِفْهَا مُنْذُ عُقُودٍ، يَا سَلْمَى. شُكْرًا لِأَنَّكِ اسْتَمَعْتِ دُونَ حُكْمٍ.»
احْتَضَنَتْ سَلْمَى صَدِيقَتَهَا بِحَرَارَةٍ.
«هِيلْغَا، أَنْتِ مَنْ عَلَّمْتِنِي، مُنْذُ سَنَتَيْنِ، أَهَمِّيَّةَ الْبَابِ الْمُوَارَبِ، أَنْ نَتْرُكَ مَسَاحَةً لِلْحِوَارِ مَهْمَا بَدَتِ الْأُمُورُ مُسْتَقِرَّةً. أَظُنُّ أَنَّكِ الْيَوْمَ، بِمُشَارَكَتِكِ هَذَا السِّرَّ، فَتَحْتِ بَابًا كَانَ مُوصَدًا فِي دَاخِلِكِ لِعُقُودٍ، وَمَنَحْتِنِي هَدِيَّةَ ثِقَتِكِ.»
«وَأَنْتِ، يَا سَلْمَى، مَنَحْتِنِي، بِتَغَيُّرِكِ أَنْتِ وَيُوسُفَ هَذَيْنِ الْعَامَيْنِ، شَجَاعَةً لِأَفْعَلَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ أَخِيرًا.»
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ عَادَتْ سَلْمَى إِلَى بَيْتِهَا، حَكَتْ لِيُوسُفَ عَنْ سِرِّ هِيلْغَا، بِإِذْنٍ مِنْهَا بِالطَّبْعِ، وَكَأَنَّهَا تَحْمِلُ فِي صَوْتِهَا شَيْئًا مِنْ خِفَّةِ هِيلْغَا نَفْسِهَا.
«يُوسُفُ، هِيلْغَا مَرَّتْ بِزَوَاجٍ مُؤْذٍ قَبْلَ هَانْز، وَلَمْ تُخْبِرْ أَحَدًا بِهَذَا طَوَالَ عُقُودٍ. الْيَوْمَ، شَارَكَتْنِي الْقِصَّةَ كَامِلَةً.»
قَالَ يُوسُفُ، بِتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ:
«هَذَا يُذَكِّرُنِي بِشَيْءٍ أَسَاسِيٍّ، يَا سَلْمَى: أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ نَلْتَقِيهِ، مَهْمَا بَدَا حَكِيمًا وَمُسْتَقِرًّا، يَحْمِلُ غَالِبًا تَارِيخًا لَمْ نَعْرِفْهُ بَعْدُ، وَجِرَاحًا لَمْ تُشْفَ بِالْكَامِلِ، وَدُرُوسًا تَعَلَّمَهَا بِأَثْمَانٍ بَاهِظَةٍ. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَسْتَحِقُّ أَنْ نَتَذَكَّرَهُ دَائِمًا: أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَ كُلِّ مَنْ حَوْلَنَا بِلُطْفٍ، لِأَنَّنَا لَا نَعْرِفُ أَبَدًا الْحِكَايَةَ الْكَامِلَةَ الَّتِي يَحْمِلُونَهَا بِصَمْتٍ.»
الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ
بَعْدَ نَحْوِ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ مِنْ قَبُولِ لُجُوءِ عَائِلَةِ فِرَاسٍ وَلِينَا فِي أَلْمَانِيَا، دَعَا يُوسُفُ وَسَلْمَى الْعَائِلَةَ لِحُضُورِ مُنَاسَبَةٍ خَاصَّةٍ: حَفْلَ تَخَرُّجِ فِرَاسٍ مِنْ بَرْنَامَجِ إِعَادَةِ التَّأْهِيلِ الْمِهَنِيِّ، الَّذِي أَنْهَى أَخِيرًا اعْتِمَادَ شَهَادَتِهِ كَمُهَنْدِسٍ مِعْمَارِيٍّ بِشَكْلٍ كَامِلٍ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْعَمَلِ الْإِدَارِيِّ الْمُؤَقَّتِ.
وَقَفَ فِرَاسٌ عَلَى مِنَصَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي قَاعَةِ الِاحْتِفَالِ، وَأَلْقَى كَلِمَةً قَصِيرَةً، بِصَوْتٍ مَا زَالَ يَحْمِلُ أَثَرَ لَكْنَتِهِ الْعَرَبِيَّةِ رَغْمَ تَحَسُّنِ أَلْمَانِيَّتِهِ الْكَبِيرِ.
“أَشْكُرُ كُلَّ مَنْ سَاعَدَنِي فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ. حِينَ وَصَلْنَا إِلَى هُنَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ، فَقَدْنَا ابْنَنَا كَرِيمًا فِي الطَّرِيقِ، وَشَعَرْنَا أَنَّنَا فَقَدْنَا كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ مَعَهُ: أَحْلَامَنَا، مِهْنَتِي، حَتَّى إِيمَانَنَا بِمُسْتَقْبَلٍ أَفْضَلَ. لَكِنَّ أُنَاسًا كَثِيرِينَ، بَيْنَهُمْ أَصْدِقَاءُ أَعِزَّاءُ أَرَاهُمُ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْقَاعَةِ، لَمْ يَتْرُكُونَا نَغْرَقُ فِي هَذَا الْفَقْدِ.”
نَظَرَ إِلَى يُوسُفَ وَسَلْمَى بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ، ثُمَّ أَكْمَلَ:
“الْيَوْمَ، أَقِفُ أَمَامَكُمْ مُهَنْدِسًا مُعْتَمَدًا رَسْمِيًّا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. لَكِنَّ أَهَمَّ إِنْجَازٍ حَقَّقَتْهُ هَذِهِ السَّنَوَاتُ لَيْسَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ، بَلْ أَنَّ أَطْفَالِي الْأَرْبَعَةَ الْبَاقِينَ يَكْبُرُونَ فِي أَمَانٍ، يَذْهَبُونَ إِلَى الْمَدْرَسَةِ، يَحْلُمُونَ بِمُسْتَقْبَلٍ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا لَهُمْ يَوْمَ وَصَلْنَا.”
بَعْدَ الْحَفْلِ، جَلَسَتْ سَلْمَى مَعَ لِينَا، وَالِدَةِ الْعَائِلَةِ (الَّتِي تَحْمِلُ الِاسْمَ نَفْسَهُ ابْنَةُ سَلْمَى)، تَتَحَدَّثَانِ بَعِيدًا عَنْ ضَجِيجِ الِاحْتِفَالِ، حَيْثُ كَانَ الْهَدُوءُ يَسْمَحُ لِلْكَلَامِ أَنْ يَتَعَمَّقَ.
“لِينَا، كَيْفَ تَشْعُرِينَ الْيَوْمَ؟”
فَكَّرَتِ الْأُمُّ لِينَا طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَنَظْرَتُهَا تَحْمِلُ خَلِيطًا صَعْبًا مِنَ الْمَشَاعِرِ.
“أَشْعُرُ بِفَرَحٍ حَقِيقِيٍّ، مَمْزُوجٍ بِحُزْنٍ لَنْ يَزُولَ أَبَدًا. كَرِيمٌ، ابْنُنَا، كَانَ سَيَبْلُغُ التَّاسِعَةَ هَذَا الْعَامَ لَوْ عَاشَ. أُفَكِّرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا، خَاصَّةً فِي الْمُنَاسَبَاتِ السَّعِيدَةِ مِثْلِ الْيَوْمِ، حِينَ أَتَمَنَّى لَوْ كَانَ هُنَا لِيَشْهَدَ نَجَاحَ وَالِدِهِ.”
قَالَتْ سَلْمَى، بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ:
“هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ الْحُزْنَ سَيَخِفُّ يَوْمًا؟”
“لَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَخِفُّ بِالْمَعْنَى الَّذِي كُنْتُ أَتَخَيَّلُهُ فِي الْبِدَايَةِ. لَكِنَّهُ تَغَيَّرَ شَكْلُهُ. فِي السَّنَةِ الْأُولَى، كَانَ الْحُزْنُ يَسْتَحْوِذُ عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ، يَمْنَعُنِي مِنَ الْفَرَحِ بِأَيِّ شَيْءٍ. الْآنَ، أَصْبَحَ الْحُزْنُ يَعِيشُ بِجَانِبِ الْفَرَحِ، لَا بَدَلَهُ. أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْرَحَ بِنَجَاحِ فِرَاسٍ، وَأَنْ أَحْزَنَ عَلَى كَرِيمٍ، فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا، دُونَ أَنْ يُلْغِيَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.”
سَأَلَتْ سَلْمَى:
“كَيْفَ سَاعَدْتِ أَطْفَالَكِ الْبَاقِينَ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَ هَذَا الْفَقْدِ؟”
“تَحَدَّثْنَا مَعَهُمْ بِصَرَاحَةٍ، مُنْذُ الْبِدَايَةِ، عَنْ أَخِيهِمْ كَرِيمٍ، بَدَلَ أَنْ نَتَجَنَّبَ ذِكْرَهُ خَوْفًا مِنْ إِيلَامِهِمْ. نَحْتَفِظُ بِصُورَتِهِ فِي مَكَانٍ ظَاهِرٍ فِي الْبَيْتِ، وَنَذْكُرُهُ فِي مُنَاسَبَاتٍ خَاصَّةٍ، لَيْسَ بِحُزْنٍ ثَقِيلٍ، بَلْ بِحُبٍّ يُبْقِيهِ حَاضِرًا بَيْنَنَا، حَتَّى وَهُوَ غَائِبٌ.”
قَالَتْ سَلْمَى:
“لِينَا، أَظُنُّ أَنَّكُمْ، كَعَائِلَةٍ، عَلَّمْتُمُونِي دَرْسًا عَمِيقًا هَذِهِ السَّنَوَاتِ: أَنَّ الشِّفَاءَ لَا يَعْنِي نِسْيَانَ الْأَلَمِ، بَلْ تَعَلُّمَ كَيْفَ نَحْمِلُهُ بِجَانِبِ حَيَاةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، لَا بَدَلًا مِنْهَا.”
ابْتَسَمَتْ لِينَا ابْتِسَامَةً حَزِينَةً لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ.
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَعَلَّمْنَاهُ، سَلْمَى. وَأَظُنُّ أَنَّ كَرِيمًا، لَوْ كَانَ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَرَانَا الْيَوْمَ، سَيَكُونُ فَخُورًا بِنَا، بِأَنَّنَا لَمْ نَسْتَسْلِمْ لِلْحُزْنِ، بَلْ حَمَلْنَاهُ مَعَنَا وَنَحْنُ نُوَاصِلُ بِنَاءَ حَيَاتِنَا.”
فِي نِهَايَةِ الْأُمْسِيَةِ، جَلَسَ يُوسُفُ مَعَ فِرَاسٍ، يَتَأَمَّلَانِ مَعًا هَذِهِ الرِّحْلَةَ الطَّوِيلَةَ، وَأَنْوَارُ الْقَاعَةِ تَخْفُتُ تَدْرِيجِيًّا حَوْلَهُمَا مَعَ تَفَرُّقِ الْحُضُورِ.
“فِرَاسُ، أَشْعُرُ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ لِمَا حَقَّقْتَهُ الْيَوْمَ.”
“يُوسُفُ، لَنْ أَنْسَى أَبَدًا أَنَّكَ، وَمُنَظَّمَةَ تُومَاسَ، لَمْ تُعَامِلَانِنَا كَـ’حَالَةٍ قَانُونِيَّةٍ’ فَقَطْ، بَلْ كَبَشَرٍ لَهُمْ حِكَايَةٌ وَكَرَامَةٌ. هَذَا الْفَارِقُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الصَّعْبَةِ، كَانَ أَهَمَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.”
قَالَ يُوسُفُ:
“أَظُنُّ أَنَّنَا جَمِيعًا، فِرَاسُ، فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، مَسْؤُولُونَ عَنْ أَنْ نَرَى بَعْضَنَا بَعْضًا بِكَامِلِ إِنْسَانِيَّتِنَا، لَا كَأَرْقَامٍ فِي نِظَامٍ، وَلَا كَقِصَصِ نَجَاحٍ مُلْهِمَةٍ فَقَطْ، بَلْ كَأُنَاسٍ يَحْمِلُونَ أَفْرَاحَهُمْ وَأَحْزَانَهُمْ مَعًا، كَمَا يَفْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا.”
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِمْ إِلَى بَيْتِهِمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَالشَّوَارِعُ خَالِيَةٌ تَقْرِيبًا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، حَكَتْ سَلْمَى لِيُوسُفَ عَنْ حَدِيثِهَا مَعَ لِينَا.
“يُوسُفُ، أَظُنُّ أَنَّ قِصَّةَ هَذِهِ الْعَائِلَةِ تُلَخِّصُ، بِشَكْلٍ مَا، كُلَّ مَا تَعَلَّمْنَاهُ هَذِهِ السَّنَوَاتِ: أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَمْنَحُنَا دَائِمًا نِهَايَاتٍ سَعِيدَةً كَامِلَةً، تَمْحُو كُلَّ الْأَلَمِ. أَحْيَانًا، أَفْضَلُ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَأْمَلَهُ هُوَ أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَحْمِلُ الْفَرَحَ وَالْحُزْنَ مَعًا، بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَنُوَاصِلُ السَّيْرَ.”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى زَوْجَتِهِ، وَابْتَسَمَ بِحُزْنٍ هَادِئٍ يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ.
“أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ أَعْمَقُ دَرْسٍ تَعَلَّمْنَاهُ مِنْ كُلِّ الْحِكَايَاتِ الَّتِي عَرَفْنَاهَا هَذِهِ السَّنَوَاتِ، سَلْمَى: أَنَّ مَعْنَى الْحَدَثِ لَا يَكْمُنُ فِي مَحْوِ الْأَلَمِ الَّذِي سَبَّبَهُ، بَلْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْ نَبْنِيَ، بِجَانِبِ هَذَا الْأَلَمِ، حَيَاةً تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ.”
الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ
مَرَّتْ ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي حَمَلَ فِيهَا رَنِينُ الْهَاتِفِ خَبَرَ مَرَضِ وَالِدِ سَلْمَى، كَحَجَرٍ يُلْقَى فِي بِرْكَةٍ رَاكِدَةٍ فَتَتَمَوَّجُ دَوَائِرُهُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ. وَهَا هُمَا الْآنَ، فِي مَسَاءٍ خَرِيفِيٍّ سَاكِنٍ، يَجْلِسَانِ فِي الشُّرْفَةِ الَّتِي اعْتَادَا عَلَيْهَا، يُرَاقِبَانِ أَوْرَاقَ الشَّجَرِ وَهِيَ تَتَهَاوَى فِي الْحَدِيقَةِ تَحْتَهُمَا، بِتِلْكَ الْخِفَّةِ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا إِلَّا الْأَشْيَاءُ الَّتِي تَعَلَّمَتْ أَخِيرًا أَنْ تَتْرُكَ.
قَالَتْ سَلْمَى، وَعَيْنَاهَا مُعَلَّقَتَانِ بِوَرَقَةٍ تَتَأَرْجَحُ قَبْلَ أَنْ تَسْتَقِرَّ عَلَى الْأَرْضِ:
«يُوسُفُ، أَتَعْرِفُ؟ أُفَكِّرُ أَحْيَانًا فِي كُلِّ ذَلِكَ الْخَوْفِ الَّذِي حَمَلْنَاهُ، أَنَا وَأَنْتَ، طَوَالَ سَنَوَاتِ زَوَاجِنَا الْأُولَى. كَأَنَّنَا كُنَّا نَعِيشُ نِصْفَ حَيَاةٍ فَقَطْ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ كَانَ مَشْغُولًا بِمُرَاقَبَةِ بَعْضِنَا، بِإِخْفَاءِ مَخَاوِفِنَا عَنْ بَعْضِنَا، بِمُحَاوَلَةِ السَّيْطَرَةِ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَيْهِ.»
«وَمَاذَا تَغَيَّرَ، فِي رَأْيِكِ؟»
«لَا أَظُنُّ أَنَّ الْخَوْفَ اخْتَفَى تَمَامًا، يَا يُوسُفُ. مَا زِلْتُ أَخَافُ أَحْيَانًا، وَأَنْتَ أَيْضًا. لَكِنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي نَتَعَامَلُ بِهَا مَعَ هَذَا الْخَوْفِ تَغَيَّرَتْ مِنْ جُذُورِهَا. لَمْ نَعُدْ نُخْفِيهِ عَنْ بَعْضِنَا، وَلَمْ نَعُدْ نُحَوِّلُهُ إِلَى مُرَاقَبَةٍ أَوْ سَيْطَرَةٍ. صِرْنَا نَقُولُهُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَنُوَاجِهُهُ مَعًا، كَمَا لَوْ كَانَ ضَيْفًا ثَقِيلًا اعْتَدْنَا أَخِيرًا أَنْ نُجْلِسَهُ إِلَى طَاوِلَتِنَا بَدَلَ أَنْ نُخْفِيَهُ فِي الْغُرَفِ الْمُظْلِمَةِ.»
ابْتَسَمَ يُوسُفُ، وَأَمْسَكَ يَدَهَا كَمَنْ يُمْسِكُ شَيْئًا هَشًّا وَثَمِينًا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
«أَظُنُّ أَنَّ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَبَقَّى مِنْ حُبِّنَا حِينَ رَحَلَ الْخَوْفُ الْقَدِيمُ: مَسَاحَةٌ أَوْسَعُ لِلصِّدْقِ، لِلْحُضُورِ، لِلثِّقَةِ.»
«يُوسُفُ، أَتَذْكُرُ ذَلِكَ الْجَدْوَلَ الْمُفَصَّلَ الَّذِي أَعْدَدْتَهُ لِرِحْلَتِي الْأُولَى، قَبْلَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ؟»
ضَحِكَ يُوسُفُ ضَحْكَةً دَافِئَةً خَرَجَتْ مِنْ عُمْقِهِ.
«كَيْفَ أَنْسَى؟ كَانَ مُحَاوَلَةً يَائِسَةً مِنِّي لِلسَّيْطَرَةِ عَلَى قَلَقِي أَنَا، لَا لِخِدْمَتِكِ فِعْلًا.»
«وَهَا نَحْنُ الْيَوْمَ، بَعْدَ رِحَلَاتِي الْمُتَكَرِّرَةِ لِزِيَارَةِ أَبِي، لَا تَسْأَلُنِي حَتَّى عَنْ مَوْعِدِ طَائِرَتِي أَحْيَانًا، لَا لِأَنَّكَ لَا تَهْتَمُّ، بَلْ لِأَنَّكَ تَثِقُ بِأَنِّي سَأُخْبِرُكَ حِينَ أَحْتَاجُ، لَا لِأَنَّكَ تُرَاقِبُنِي.»
قَالَ يُوسُفُ، فِي تَأَمُّلٍ هَادِئٍ:
«أَظُنُّ أَنَّ الْفَارِقَ الْحَقِيقِيَّ، يَا سَلْمَى، هُوَ أَنَّنَا تَعَلَّمْنَا أَنَّ الْحُبَّ لَا يَعْنِي غِيَابَ الْخَوْفِ، بَلْ يَعْنِي الْقُدْرَةَ عَلَى أَنْ نَحْمِلَهُ مَعًا، بَدَلَ أَنْ يَحْمِلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِمُفْرَدِهِ فِي صَمْتٍ. الْخَوْفُ مَا زَالَ مَوْجُودًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَتَحَكَّمُ بِقَرَارَاتِنَا كَمَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ قَبْلُ.»
«وَمَاذَا عَنْ لِينَا؟ كَيْفَ تَرَاهَا الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟»
فَكَّرَ يُوسُفُ بِفَخْرٍ يَشِعُّ مِنْ مَلَامِحِهِ.
«أَرَاهَا امْرَأَةً شَابَّةً، تُوشِكُ أَنْ تُكْمِلَ تَعْلِيمَهَا الْجَامِعِيَّ قَرِيبًا، تَحْمِلُ ثِقَةً وَصِدْقًا لَمْ نَمْتَلِكْهُمَا نَحْنُ فِي سِنِّهَا. أَظُنُّ أَنَّنَا، رَغْمَ كُلِّ أَخْطَائِنَا، مَنَحْنَاهَا شَيْئًا ثَمِينًا: نَمُوذَجًا حَيًّا عَلَى أَنَّ التَّغْيِيرَ مُمْكِنٌ، مَهْمَا بَدَا الْإِنْسَانُ عَالِقًا فِي أَنْمَاطِهِ.»
جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ، يَسْتَمْتِعَانِ بِهُدُوءِ الْمَسَاءِ وَبِتِلْكَ الرَّائِحَةِ الْبَارِدَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا الْخَرِيفُ مَعَهُ دَائِمًا، قَبْلَ أَنْ تَقُولَ سَلْمَى، بِصَوْتٍ خَفِيضٍ كَمَنْ يُفْضِي بِسِرٍّ عَزِيزٍ عَلَيْهِ:
«يُوسُفُ، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ. أَظُنُّ أَنِّي، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، صِرْتُ أَعْرِفُ الْجَوَابَ عَنْ سُؤَالِ رِيمَ الْقَدِيمِ: هَلْ أَنَا سَعِيدَةٌ؟»
«وَمَا الْجَوَابُ؟»
«نَعَمْ، يَا يُوسُفُ. أَنَا سَعِيدَةٌ، لَا لِأَنَّ حَيَاتَنَا خَالِيَةٌ مِنَ الْمَشَاكِلِ، فَهَذَا لَنْ يَحْدُثَ أَبَدًا. بَلْ لِأَنِّي أَعِيشُ، أَخِيرًا، بِصِدْقٍ كَامِلٍ، مَعَ نَفْسِي وَمَعَكَ، دُونَ أَقْنِعَةٍ، وَدُونَ صَمْتٍ يُخْفِي مَا يُهِمُّ فِعْلًا.»
قَالَ يُوسُفُ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِمَا يَشْبِهُ الدَّمْعَ:
«وَأَنَا أَيْضًا سَعِيدٌ، يَا سَلْمَى. سَعِيدٌ بِطَرِيقَةٍ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ، حِينَ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ السَّعَادَةَ تَعْنِي السَّيْطَرَةَ الْكَامِلَةَ عَلَى كُلِّ مَا يُحِيطُ بِي. أَمَّا الْآنَ، فَأَعْرِفُ أَنَّ السَّعَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَعْنِي أَنْ أَثِقَ، أَنْ أَسْأَلَ، أَنْ أُصْغِيَ، وَأَنْ أَدَعَ مَنْ أُحِبُّ حُرًّا، بَيْنَمَا أَبْقَى إِلَى جَانِبِهِ، لَا فَوْقَهُ.»
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَيْهِ بِحُبٍّ عَمِيقٍ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى كَلِمَاتٍ.
«يُوسُفُ، أَظُنُّ أَنَّنَا صَنَعْنَا شَيْئًا جَمِيلًا مِنْ كُلِّ ذَلِكَ الْأَلَمِ الَّذِي بَدَأْنَا بِهِ. الْمِيرَاثُ الَّذِي حَمَلْنَاهُ، مِنْ أَبِي، وَمِنْ أُمِّكَ، وَمِنْ كُلِّ مَنْ سَبَقَنَا، لَمْ يَخْتَفِ، لَكِنَّنَا أَعَدْنَا صِيَاغَتَهُ، بِوَعْيٍ، لِنَمْنَحَهُ لِلِينَا بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا.»
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ أَنْ يَنَامَا، كَتَبَ يُوسُفُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ، فِي دَفْتَرِهِ الْقَدِيمِ، الَّذِي صَارَ، مَعَ الْوَقْتِ، سِجِلًّا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَلْمَى، يَكْتُبَانِ فِيهِ بِالتَّنَاوُبِ:
«بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، أَكْتُبُ هَذَا وَأَنَا أَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ. لَمْ يَعُدِ الْخَوْفُ يَقُودُ قَرَارَاتِنَا. بَقِيَ مِنْهُ فَقَطْ تِلْكَ الْحِكْمَةُ الَّتِي تَعَلَّمْنَاهَا مِنْهُ: أَنْ نَعْرِفَ حُدُودَنَا، وَأَنْ نَطْلُبَ الْمُسَاعَدَةَ حِينَ نَحْتَاجُ إِلَيْهَا، دُونَ أَنْ نَسْمَحَ لِهَذَا الْخَوْفِ بِأَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى قَيْدٍ يَخْنُقُ مَنْ نُحِبُّ. هَذَا مَا بَقِيَ مِنَ الْحُبِّ حِينَ رَحَلَ الْخَوْفُ الْقَدِيمُ: حُبٌّ أَنْضَجُ، وَأَصْدَقُ، وَأَكْثَرُ حُرِّيَّةً مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.»
الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ
(خَاتِمَةُ الْجُزْءِ الْخَامِسِ: مَا يَبْقَى بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَدَثِ)
جَلَسَ سَامِي فِي الْأَرْشِيفِ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِ، يُرَاجِعُ الرُّفُوفَ الْمُمْتَلِئَةَ الْآنَ بِمَلَفَّاتٍ لَا حَصْرَ لَهَا: بَاسِلٍ الْفَاتِحِ، صُوفِيَا الْمَلِكَةِ، رُسْتُمَ الْقَائِدِ، فَارِسٍ الْمُصْلِحِ، مَرْيَمَ الطَّبِيبَةِ، إِلْيَاسَ الْخَبَّازِ، وَعَشَرَاتِ الْمَلَفَّاتِ الْأُخْرَى الَّتِي تَرَاكَمَتْ عَبْرَ السَّنَوَاتِ. لَاحَظَ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى هَذَا الْكَمِّ الْهَائِلِ مِنَ الْحِكَايَاتِ، أَنَّ خَيْطًا وَاحِدًا يَرْبُطُهَا جَمِيعًا: أَنَّ التَّغْيِيرَ الْفَرْدِيَّ، مَهْمَا بَدَا صَغِيرًا فِي لَحْظَتِهِ، يَتَسَرَّبُ دَائِمًا إِلَى مَا حَوْلَهُ، كَنُقْطَةِ مَاءٍ تَتَّسِعُ دَوَائِرُهَا فِي بِرْكَةٍ هَادِئَةٍ.
فَكَّرَ فِي الْمَدِينَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَدُورُ فِيهَا أَحْدَاثُ الْقِصَّةِ الْمُعَاصِرَةِ الَّتِي تَابَعَهَا لِسَنَوَاتٍ: سَلْمَى وَيُوسُفُ، كَرِيمٌ وَسُهَى، طَارِقٌ وَمُنَى، رِيمُ وَرَامِي، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَاشُوا فِي الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا، بِشَوَارِعِهَا الْهَادِئَةِ وَحَدَائِقِهَا الصَّغِيرَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِتَحَوُّلِهِ الْخَاصِّ، تَرَكَ أَثَرًا، وَلَوْ خَفِيفًا، عَلَى نَسِيجِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
فَكَّرَ سَامِي فِي هِيلْجَا، الَّتِي شَارَكَتْ سِرَّهَا أَخِيرًا بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ الصَّمْتِ، وَفِي كَيْفَ أَنَّ جُرْأَتَهَا أَثَّرَتْ، دُونَ أَنْ تَدْرِيَ، فِي نِسَاءٍ أُخْرَيَاتٍ فِي حَيِّهَا مِمَّنْ سَمِعْنَ قِصَّتَهَا لَاحِقًا، وَبَدَأْنَ، هُنَّ أَيْضًا، يَتَحَدَّثْنَ بِصَرَاحَةٍ أَكْبَرَ عَنْ تَجَارِبِهِنَّ الْخَاصَّةِ.
فَكَّرَ فِي فَرَحَ، الَّتِي اسْتَلْهَمَتِ الشَّجَاعَةَ مِنْ صَدِيقَتِهَا لِينَا، وَوَاجَهَتْ أَهْلَهَا بِصَرَاحَةٍ، وَنَقَلَتْ هَذَا الدَّرْسَ، بِدَوْرِهَا، إِلَى صَدِيقَاتٍ أُخْرَيَاتٍ فِي مَدْرَسَتِهَا.
فَكَّرَ فِي الْمَدْرَسَةِ نَفْسِهَا، حَيْثُ بَدَأَتْ مُعَلِّمَةُ الدِّرَاسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، بَعْدَ إِجَابَةِ لِينَا الْجَرِيئَةِ عَنْ سُؤَالِ الْهُوِيَّةِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، تُدْخِلُ نِقَاشَاتٍ أَعْمَقَ حَوْلَ الْهِجْرَةِ وَالْهُوِيَّةِ فِي مَنَاهِجِهَا، مُتَأَثِّرَةً بِذَلِكَ الْحِوَارِ الَّذِي لَمْ تَنْسَهُ.
فَكَّرَ سَامِي أَيْضًا فِي الْمَخْبَزِ الصَّغِيرِ الَّذِي بَدَأَ يَزُورُهُ بِانْتِظَامٍ، بَعْدَ أَنْ قَرَأَ مَلَفَّ إِلْيَاسَ الْخَبَّازِ، وَكَيْفَ أَنَّ صَاحِبَهُ الشَّابَّ، حِينَ سَمِعَ مِنْ سَامِي قِصَّةَ إِلْيَاسَ، بَدَأَ هُوَ أَيْضًا يُخَصِّصُ جُزْءًا صَغِيرًا مِنْ إِنْتَاجِهِ الْيَوْمِيِّ لِيُوَزِّعَهُ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ، مُتَأَثِّرًا بِحِكَايَةِ رَجُلٍ عَاشَ قَبْلَ قُرُونٍ فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى بَعِيدَةٍ تَمَامًا.
شَعَرَ سَامِي بِدَهْشَةٍ عَمِيقَةٍ أَمَامَ هَذَا النَّسِيجِ الْمُعَقَّدِ مِنَ التَّأْثِيرَاتِ الْمُتَشَابِكَةِ: حِكَايَاتٌ قَدِيمَةٌ تُلْهِمُ أَفْعَالًا مُعَاصِرَةً، وَأَفْعَالٌ مُعَاصِرَةٌ تَتَرَدَّدُ أَصْدَاؤُهَا فِي دَوَائِرَ لَا يَرَاهَا أَصْحَابُهَا أَبَدًا بِوُضُوحٍ.
كَتَبَ سَامِي فِي دَفْتَرِهِ، فِي خُلَاصَةٍ يَخْتِمُ بِهَا هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ مِنْ تَأَمُّلَاتِهِ:
“لَطَالَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ عَمَلِي هُنَا هُوَ حِفْظُ الْحِكَايَاتِ، فَصْلُهَا عَنْ بَعْضِهَا، تَصْنِيفُهَا بِدِقَّةٍ. لَكِنِّي أُدْرِكُ الْآنَ أَنَّ الْحِكَايَاتِ، فِي جَوْهَرِهَا، لَا تَنْفَصِلُ أَبَدًا؛ كُلُّ حِكَايَةٍ تَتَغَذَّى مِنْ سَابِقَاتِهَا، وَتُغَذِّي لَاحِقَاتِهَا، فِي نَسِيجٍ إِنْسَانِيٍّ وَاحِدٍ مُتَّصِلٍ عَبْرَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. الْمَدِينَةُ الَّتِي تَدُورُ فِيهَا أَحْدَاثُ سَلْمَى وَيُوسُفَ لَمْ تَعُدْ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، الْمَدِينَةَ نَفْسَهَا الَّتِي وَصَلَا إِلَيْهَا مُهَاجِرَيْنِ خَائِفَيْنِ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ عَقْدٍ؛ تَغَيَّرَتْ، وَلَوْ بِمِقْدَارٍ صَغِيرٍ، لِأَنَّ أُنَاسًا فِيهَا اخْتَارُوا، وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ، أَنْ يُوَاجِهُوا صَمْتَهُمُ الْقَدِيمَ بِصِدْقٍ جَدِيدٍ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، مَشَى سَامِي فِي شَوَارِعِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا، الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ، حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَنَّهُ يَعِيشُ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهَا طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، فِي مَكَانٍ يَقَعُ، بِطَرِيقَةٍ غَامِضَةٍ، بَيْنَ الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا.
مَرَّ بِجَانِبِ حَدِيقَةٍ صَغِيرَةٍ، رَأَى فِيهَا امْرَأَتَيْنِ تَتَحَدَّثَانِ بِصَرَاحَةٍ وَاضِحَةٍ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُمَا سَلْمَى وَرِيمُ، تَتَبَادَلَانِ أَطْرَافَ الْحَدِيثِ عَنْ حَيَاتَيْهِمَا بِثِقَةٍ لَمْ تَكُونَا تَمْلِكَانِهَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ. مَرَّ بِجَانِبِ مَخْبَزٍ صَغِيرٍ، رَأَى فِيهِ شَابًّا يُوَزِّعُ أَرْغِفَةً عَلَى عَائِلَةٍ فَقِيرَةٍ بِابْتِسَامَةٍ صَادِقَةٍ. مَرَّ بِجَانِبِ مَدْرَسَةٍ، سَمِعَ مِنْ خَلْفِ نَوَافِذِهَا ضَحَكَاتِ فَتَيَاتٍ يَتَحَدَّثْنَ بِحُرِّيَّةٍ عَنْ أَحْلَامِهِنَّ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ.
شَعَرَ سَامِي، وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ الْمُتَنَاثِرَةِ، أَنَّهُ يَشْهَدُ، بِصَمْتٍ، أَثَرَ كُلِّ تِلْكَ الْحِكَايَاتِ الَّتِي قَرَأَهَا عَبْرَ السَّنَوَاتِ، مُتَجَسِّدًا فِي تَفَاصِيلِ حَيَاةٍ يَوْمِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، لَا يُلَاحِظُهَا مُعْظَمُ مَنْ يَعِيشُونَهَا، لِأَنَّهَا أَصْبَحَتْ، بِبَسَاطَةٍ، جُزْءًا مِنْ نَسِيجِ حَيَاتِهِمُ الْعَادِيِّ.
عَادَ إِلَى بَيْتِهِ، حَيْثُ كَانَتْ خَطِيبَتُهُ تَنْتَظِرُهُ، وَجَلَسَ مَعَهَا، وَحَكَى لَهَا مَا رَآهُ فِي طَرِيقِهِ، وَعَيْنَاهُ مَا زَالَتَا تَحْمِلَانِ أَثَرَ تِلْكَ الدَّهْشَةِ الَّتِي رَافَقَتْهُ طَوَالَ الْمَشْيِ.
“أَظُنُّ أَنِّي، اللَّيْلَةَ، فَهِمْتُ شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الْوُضُوحِ: أَنَّ الْمُدُنَ، مِثْلَ النَّاسِ تَمَامًا، تَحْمِلُ مِيرَاثَهَا الْخَاصَّ، وَتَخْتَارُ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، مَاذَا تَحْتَفِظُ مِنْهُ وَمَاذَا تَتَخَلَّى عَنْهُ. وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ، الَّتِي أَعِيشُ فِيهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ دُونَ أَنْ أَعْرِفَ كَمْ غَيَّرَتْهَا حِكَايَاتُ أَهْلِهَا الصَّامِتَةُ، أَصْبَحَتِ الْيَوْمَ، بِفَضْلِ شَجَاعَةِ أُنَاسٍ عَادِيِّينَ، مَكَانًا أَكْثَرَ صِدْقًا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ حِينَ وَصَلَ إِلَيْهَا أَوَّلُ مُهَاجِرٍ خَائِفٍ يَبْحَثُ فِيهَا عَنْ مَلْجَأٍ.”
الْمِيرَاثُ
(الْجُزْءُ السَّادِسُ وَالْأَخِيرُ)
الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ
فِي صَبَاحِ يَوْمِ زِفَافِهِ، جَلَسَ سَامِي، قَبْلَ سَاعَاتٍ مِنَ الْحَفْلِ، فِي مَكْتَبِهِ الْهَادِئِ بِالْأَرْشِيفِ، لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ رَجُلًا أَعْزَبَ. أَدَارَ عَيْنَيْهِ فِي الرُّفُوفِ الْمُمْتَلِئَةِ بِحِكَايَاتِ الْآخَرِينَ: مُلُوكٌ، وَقَادَةٌ، وَمُصْلِحُونَ، وَأَطِبَّاءُ مَجْهُولُونَ، وَخَبَّازُونَ، وَعَائِلَاتٌ مُعَاصِرَةٌ كَامِلَةٌ تَابَعَ تَفَاصِيلَ حَيَاتِهَا سَنَوَاتٍ دُونَ أَنْ يَلْتَقِيَ بِهَا شَخْصِيًّا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً.
أَخْرَجَ دَفْتَرًا جَدِيدًا، فَارِغَ الصَّفَحَاتِ تَمَامًا، وَوَضَعَهُ أَمَامَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، ثُمَّ كَتَبَ عَلَى غِلَافِهِ، بِخَطٍّ مُتَرَدِّدٍ كَخَطِّ مَنْ يَقْتَحِمُ بَابًا لَمْ يَطْرُقْهُ مِنْ قَبْلُ: «مَلَفُّ سَامِي، أَمِينِ الْأَرْشِيفِ».
لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، كَتَبَ سَامِي حِكَايَتَهُ هُوَ، لَا حِكَايَةَ أَحَدٍ آخَرَ:
«وُلِدْتُ فِي بَيْتٍ مُتَوَاضِعٍ، وَحِيدًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كُثُرٍ، الْأَكْثَرَ هُدُوءًا بَيْنَهُمْ، وَالْأَكْثَرَ مَيْلًا لِلْمُرَاقَبَةِ مِنَ الْمُشَارَكَةِ. أَحْبَبْتُ امْرَأَةً فِي شَبَابِي، وَرَضَخْتُ لِرَفْضِ أُمِّي زَوَاجِي مِنْهَا، وَدَفَنْتُ ذَلِكَ الْحُبَّ بِصَمْتٍ اسْتَمَرَّ عِشْرِينَ عَامًا. وَجَدْتُ فِي هَذَا الْأَرْشِيفِ الْغَرِيبِ مَلْجَأً: مَكَانًا أُرَاقِبُ فِيهِ حِكَايَاتِ الْآخَرِينَ، بَدَلَ أَنْ أَخُوضَ حِكَايَتِي الْخَاصَّةَ.»
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، يَتَذَكَّرُ تِلْكَ السَّنَوَاتِ الطَّوِيلَةَ مِنَ الْعُزْلَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْكِتَابَةَ، وَقَدْ خَفَّتْ يَدُهُ قَلِيلًا:
«لَكِنْ، عَبْرَ قِرَاءَتِي لِمِئَاتِ الْحِكَايَاتِ، مِنْ فَاتِحِينَ وَمُلُوكٍ وَمُصْلِحِينَ وَأُنَاسٍ عَادِيِّينَ، تَعَلَّمْتُ شَيْئًا غَيَّرَنِي: أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ، مَهْمَا بَدَا قَوِيًّا أَوْ حَكِيمًا أَوْ نَاجِحًا، يَحْمِلُ خَوْفَهُ الْخَاصَّ، وَأَنَّ السُّؤَالَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ هَلْ نَخَافُ، بَلْ مَاذَا نَفْعَلُ بِخَوْفِنَا. قَرَّرْتُ، بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الِاخْتِبَاءِ خَلْفَ حِكَايَاتِ الْآخَرِينَ، أَنْ أُوَاجِهَ خَوْفِي أَنَا: اتَّصَلْتُ بِامْرَأَةٍ الْتَقَيْتُهَا فِي مَكْتَبَةٍ، وَسَمَحْتُ لِنَفْسِي، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ عِقْدَيْنِ، أَنْ أُحِبَّ مِنْ جَدِيدٍ.»
كَتَبَ عَنْ رِحْلَتِهِ مَعَ خَطِيبَتِهِ، عَنِ الْأَشْهُرِ الَّتِي قَضَيَاهَا مَعًا، عَنْ خَوْفِهِ الْمُتَكَرِّرِ مِنْ أَنْ يُكَرِّرَ خَطَأَ الصَّمْتِ الْقَدِيمِ، وَعَنْ جُهْدِهِ الْوَاعِي لِيَكُونَ صَادِقًا مَعَهَا فِي كُلِّ خُطْوَةٍ، ثُمَّ خَتَمَ:
«الْيَوْمَ، سَأَتَزَوَّجُهَا. لَسْتُ مُتَأَكِّدًا أَنَّ كُلَّ خَوْفِي قَدِ اخْتَفَى؛ رُبَّمَا لَنْ يَخْتَفِيَ أَبَدًا بِالْكَامِلِ. لَكِنِّي تَعَلَّمْتُ، مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الَّتِي قَرَأْتُهَا، أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي غِيَابِ الْخَوْفِ، بَلْ فِي اخْتِيَارِ الْفِعْلِ رَغْمَهُ.»
فِي نِهَايَةِ الْمَلَفِّ، كَتَبَ سَامِي جُمْلَةً أَخِيرَةً، ثُمَّ أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ، وَوَضَعَهُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، لَا عَلَى رَفِّ «الْمَلَفَّاتِ الْمُكْتَمِلَةِ» الَّذِي أَنْشَأَهُ لِمَلَفَّاتِ الْآخَرِينَ، بَلْ عَلَى مَكْتَبِهِ الْخَاصِّ، حَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ:
«هَذَا لَيْسَ مَلَفًّا مُكْتَمِلًا، لِأَنَّ حِكَايَتِي لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ. رُبَّمَا لَنْ تَنْتَهِيَ أَبَدًا، كَمَا لَمْ تَنْتَهِ حِكَايَةُ أَيٍّ مِمَّنْ قَرَأْتُ عَنْهُمْ. لَكِنِّي، أَخِيرًا، أَصْبَحْتُ جُزْءًا مِنَ الْقِصَّةِ الَّتِي كُنْتُ أُرَاقِبُهَا مِنَ الْخَارِجِ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، لَا مُجَرَّدَ شَاهِدٍ عَلَيْهَا.»
فِي طَرِيقِهِ إِلَى قَاعَةِ الزِّفَافِ، تَوَقَّفَ سَامِي عِنْدَ الرَّفِّ الْكَبِيرِ الَّذِي يَحْمِلُ كُلَّ الْمَلَفَّاتِ الَّتِي جَمَعَهَا عَبْرَ السَّنَوَاتِ، وَتَأَمَّلَهُ طَوِيلًا: بَاسِلٌ الَّذِي فَتَحَ مَمَالِكَ وَنَسِيَ بَيْتَهُ، وَصُوفِيَا الَّتِي حَكَمَتْ بِصَمْتٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُفَسَّرَ حُبُّهَا ضَعْفًا، وَرُسْتُمُ الَّذِي تَعَلَّمَ الْإِصْغَاءَ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، وَفَارِسٌ الَّذِي أَصْلَحَ مَدِينَةً وَنَسِيَ شَارِعَهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، وَمَرْيَمُ الَّتِي أَنْقَذَتْ قَرْيَةً بِصَمْتٍ وَلَمْ يُعْرَفِ اسْمُهَا إِلَّا بَعْدَ عُقُودٍ، وَإِلْيَاسُ الَّذِي اسْتَمَرَّ فِي الْعَطَاءِ حَتَّى بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحِصَارِ.
فَكَّرَ: «كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَّمَنِي شَيْئًا عَنْ نَفْسِي، لَمْ أَكُنْ لِأَتَعَلَّمَهُ لَوْ بَقِيتُ أَعِيشُ حَيَاتِي كَمَا كُنْتُ أَعِيشُهَا قَبْلَ أَنْ أَبْدَأَ هَذَا الْعَمَلَ. الْيَوْمَ، أَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِكُلِّ حِكَايَةٍ مِنْهُمْ، لِأَنَّهَا، مُجْتَمِعَةً، قَادَتْنِي إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ.»
فِي الْقَاعَةِ، انْتَظَرَتْهُ خَطِيبَتُهُ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، بِابْتِسَامَةٍ مُشْرِقَةٍ كَأَنَّهَا وَعْدٌ مَحْفُوظٌ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ. اقْتَرَبَ مِنْهَا سَامِي، وَشَعَرَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، أَنَّهُ لَا يُرَاقِبُ حَيَاةَ أَحَدٍ آخَرَ مِنْ بَعِيدٍ، بَلْ يَعِيشُ لَحْظَتَهُ الْخَاصَّةَ، بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ خَوْفٍ وَأَمَلٍ، بِحُضُورٍ كَامِلٍ لَا يُشْبِهُ عُزْلَتَهُ الْقَدِيمَةَ فِي شَيْءٍ.
بَعْدَ الْحَفْلِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَرْقُصُ مَعَ زَوْجَتِهِ الْجَدِيدَةِ، عَادَ إِلَى ذِهْنِهِ السُّؤَالُ الَّذِي رَافَقَهُ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، مُنْذُ أَوَّلِ مَلَفٍّ قَرَأَهُ عَنِ الْفَاتِحِ بَاسِلٍ: هَلْ نَحْنُ ضَحَايَا أَحْدَاثِنَا، أَمْ صُنَّاعُهَا، أَمْ شَيْءٌ آخَرُ بَيْنَهُمَا؟
لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، شَعَرَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِجَابَةً نَظَرِيَّةً لِهَذَا السُّؤَالِ، لِأَنَّهُ، بِبَسَاطَةٍ، كَانَ يَعِيشُهَا الْآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ: رَجُلٌ لَمْ يَخْتَرْ أَنْ يُولَدَ بِهَذَا الْخَجَلِ، بِهَذِهِ الْعُزْلَةِ الْمَوْرُوثَةِ، لَكِنَّهُ اخْتَارَ، أَخِيرًا، بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ الصَّامِتَةِ، أَنْ يُشَارِكَ فِي صُنْعِ مَعْنَى حَيَاتِهِ الْخَاصَّةِ.
الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ
فِي الْأَرْشِيفِ، جَلَسَ سَامِي، بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْ زَوَاجِهِ، يُرَاجِعُ، لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ فَصْلًا جَدِيدًا مِنْ حَيَاتِهِ يَقْضِي فِيهِ وَقْتًا أَقَلَّ بَيْنَ الرُّفُوفِ وَأَكْثَرَ مَعَ أُسْرَتِهِ النَّاشِئَةِ، مُلَخَّصَاتٍ قَصِيرَةً كَتَبَهَا عَنْ مَصَائِرِ شَخْصِيَّاتٍ كَثِيرَةٍ عَبَرَتْ طَرِيقَهُ، أَوْ طَرِيقَ سَلْمَى وَعَائِلَتِهَا، عَبْرَ سَنَوَاتِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ الطَّوِيلَةِ.
قَرَّرَ أَنْ يَجْمَعَهَا فِي صَفْحَةٍ وَاحِدَةٍ، كَنَوَافِذَ صَغِيرَةٍ عَلَى حَيَوَاتٍ اسْتَمَرَّتْ بَعْدَ أَنِ انْتَهَتِ الْحِكَايَةُ الرَّئِيسِيَّةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَارِئِ، وَبَدَأَ يَكْتُبُ، اسْمًا بَعْدَ اسْمٍ، كَمَنْ يُشْعِلُ سِلْسِلَةَ مَصَابِيحَ صَغِيرَةٍ فِي مَمَرٍّ طَوِيلٍ.
كَرِيمٌ وَسُهَى: نَجَحَ مَشْرُوعُهُمَا الصَّغِيرُ وَنَمَا، وَافْتَتَحَا فَرْعًا ثَانِيًا بَعْدَ سَنَوَاتٍ. أَصْبَحَ كَرِيمٌ مِنْ أَشَدِّ الْمُدَافِعِينَ عَنْ فِكْرَةِ “الشَّرَاكَةِ فِي صِنَاعَةِ الْمَعْنَى”، يُشَارِكُهَا مَعَ كُلِّ صَدِيقٍ يَمُرُّ بِأَزْمَةٍ مُشَابِهَةٍ لِأَزْمَتِهِ الْقَدِيمَةِ.
طَارِقٌ وَمُنَى: نَجَحَ اسْتُودْيُو مُنَى لِلتَّصْمِيمِ الدَّاخِلِيِّ، وَأَصْبَحَ طَارِقٌ شَرِيكَهَا الدَّاعِمَ الْأَوَّلَ، لَا مُدِيرَهَا. عُمَرُ أَكْمَلَ دِرَاسَتَهُ الْمُوسِيقِيَّةَ، وَأَصْبَحَ عَازِفًا مُحْتَرِفًا، يَزُورُ وَالِدَيْهِ بِانْتِظَامٍ، بِعَلَاقَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى الِاحْتِرَامِ لَا الْفَرْضِ.
رِيمُ وَرَامِي: بَعْدَ مُوَاجَهَتِهِمَا الصَّرِيحَةِ، قَرَّرَا مَعًا الِانْتِقَالَ إِلَى الْبَلَدِ الْجَدِيدِ، لَكِنْ بِشُرُوطٍ اتَّفَقَا عَلَيْهَا سَوِيًّا: عَمَلٌ لِرِيمَ هُنَاكَ، وَوَقْتٌ كَافٍ لِلتَّأَقْلُمِ. أَصْبَحَا مِثَالًا لِأَصْدِقَائِهِمَا عَلَى أَنَّ التَّغْيِيرَ الْكَبِيرَ مُمْكِنٌ حِينَ يُبْنَى عَلَى شَرَاكَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
زِيَادٌ: الْتَحَقَ بِمَعْهَدٍ مُوسِيقِيٍّ مَسَائِيٍّ، بَيْنَمَا اسْتَمَرَّ فِي مُسَاعَدَةِ أَهْلِهِ، لَكِنْ بِحُدُودٍ صِحِّيَّةٍ اتَّفَقَ عَلَيْهَا مَعَ الْعَائِلَةِ. أَصْبَحَ عَازِفَ عُودٍ مَعْرُوفًا مَحَلِّيًّا، وَيُعْطِي دُرُوسًا مَجَّانِيَّةً لِلْأَطْفَالِ الْفُقَرَاءِ فِي حَيِّهِ، مُتَأَثِّرًا بِقِصَّةِ إِلْيَاسَ الْخَبَّازِ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ سَلْمَى ذَاتَ مَرَّةٍ.
نَجَاةُ: بَدَأَتْ، فِي شَيْخُوخَتِهَا، تَحْضُرُ جَلَسَاتٍ نَفْسِيَّةً بَسِيطَةً مَعَ مُخْتَصَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ، لِتَفْهَمَ أَكْثَرَ مِيرَاثَهَا الْخَاصَّ مِنَ الصَّمْتِ. أَصْبَحَتْ مَصْدَرَ حِكْمَةٍ لِجَارَاتِهَا الْأُخْرَيَاتِ مِنْ جِيلِهَا، تُشَارِكُهُنَّ مَا تَعَلَّمَتْهُ مُتَأَخِّرًا.
وَالِدُ سَلْمَى: عَاشَ سَنَوَاتٍ إِضَافِيَّةً بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ نِسْبِيًّا، وَزَارَ أَلْمَانِيَا مَرَّتَيْنِ، وَأَصْبَحَ جَدًّا حَاضِرًا فِي حَيَاةِ لِينَا، يَسْأَلُهَا دَائِمًا: “كَيْفَ تَشْعُرِينَ؟” قَبْلَ أَيِّ سُؤَالٍ آخَرَ.
هِيلْجَا: بَعْدَ مُشَارَكَةِ سِرِّهَا، أَصْبَحَتْ مُتَطَوِّعَةً فِي مَرْكَزِ دَعْمٍ مَحَلِّيٍّ لِلنَّاجِيَاتِ مِنَ الْعَلَاقَاتِ الْمُؤْذِيَةِ، تُشَارِكُ حِكْمَتَهَا مَعَ نِسَاءٍ يَمْرُرْنَ بِمَا مَرَّتْ بِهِ.
فَرَحُ: دَرَسَتِ التَّصْمِيمَ كَمَا حَلُمَتْ، وَأَصْبَحَتْ صَدِيقَةً مُقَرَّبَةً لِلِينَا حَتَّى الْجَامِعَةِ، تَدْعَمُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْأُخْرَى فِي اخْتِيَارَاتٍ لَمْ تَكُونَا لِتَجْرُؤَا عَلَيْهَا بِمُفْرَدِهِمَا.
فِرَاسٌ وَلِينَا: اسْتَقَرَّتْ أُسْرَتُهُمَا تَمَامًا، وَأَصْبَحَ فِرَاسٌ مُهَنْدِسًا مَعْرُوفًا فِي شَرِكَتِهِ، وَكَرَّسَا جُزْءًا مِنْ وَقْتِهِمَا لِمُسَاعَدَةِ عَائِلَاتٍ لَاجِئَةٍ أُخْرَى، وَفَاءً لِذِكْرَى ابْنِهِمَا كَرِيمٍ.
بَرْوِينُ وَرۆژان: كَبِرَتْ رۆژان تَحْمِلُ ثِقَةً بِهُوِيَّتِهَا الْمُزْدَوَجَةِ، وَأَصْبَحَتْ، فِي الْمَدْرَسَةِ الثَّانَوِيَّةِ، مِنْ أَشَدِّ الْمُدَافِعِينَ عَنْ حُقُوقِ الْأَقَلِّيَّاتِ الثَّقَافِيَّةِ، مُسْتَلْهِمَةً مِنْ وَالِدَتِهَا.
أَنِيتَا وَبِرْيَا: بَدَأَتْ بِرْيَا، فِي مُرَاهَقَتِهَا، تَسْأَلُ أَسْئِلَةً عَمِيقَةً عَنْ هُوِيَّتِهَا الْهِنْدِيَّةِ الْأَلْمَانِيَّةِ، وَوَاجَهَتْهَا أَنِيتَا بِالصَّبْرِ وَالِانْفِتَاحِ نَفْسِهِمَا اللَّذَيْنِ تَعَلَّمَتْهُمَا مِنْ تَجْرِبَتِهَا الْخَاصَّةِ.
يَاسْمِينُ: اسْتَمَرَّتْ فِي كِتَابَاتِهَا الْأَكَادِيمِيَّةِ عَنِ الذَّاكِرَةِ الْمُزْدَوَجَةِ، وَأَصْبَحَتْ صَوْتًا مَسْمُوعًا فِي حِوَارَاتِ السَّلَامِ، رَافِضَةً دَائِمًا الِاخْتِيَارَ الْقَسْرِيَّ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَحْمِلُهُمَا.
أَمَارَا: تَوَسَّعَتْ مَدْرَسَتُهَا فِي قَرْيَتِهَا إِلَى عِدَّةِ قُرًى مُجَاوِرَةٍ، وَأَصْبَحَتْ نَمُوذَجًا يُدَرَّسُ فِي بَرَامِجِ التَّنْمِيَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ حَوْلَ الْعَالَمِ.
سُلْطَانُ: بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْحِوَارِ الصَّبُورِ مَعَ عَائِلَتِهِ، تَزَوَّجَ مِنَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَحَبَّهَا، بِمُبَارَكَةٍ جُزْئِيَّةٍ مِنْ عَائِلَتِهِ، وَكَامِلَةٍ مِنْ أُخْتِهِ مُنِيرَةَ الَّتِي أَصْبَحَتْ أَقْرَبَ حُلَفَائِهِ.
أَغْلَقَ سَامِي هَذِهِ الصَّفْحَةَ، وَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِكُلِّ هَذِهِ الْحَيَوَاتِ الَّتِي عَبَرَتْ طَرِيقَهُ، بِطَرِيقَةٍ مُبَاشِرَةٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ، وَتَرَكَتْ فِيهِ أَثَرًا لَا يُمْحَى.
كَتَبَ فِي نِهَايَةِ الصَّفْحَةِ:
“عِشْرُونَ نَافِذَةً، عِشْرُونَ حِكَايَةً، لَكِنَّهَا جَمِيعًا تَتَحَدَّثُ اللُّغَةَ نَفْسَهَا فِي جَوْهَرِهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ، مَهْمَا كَانَ مِيرَاثُهُ ثَقِيلًا، يَمْلِكُ دَائِمًا مَسَاحَةً لِلِاخْتِيَارِ، لِلتَّغْيِيرِ، لِإِعَادَةِ صِيَاغَةِ مَعْنَى مَا حَدَثَ لَهُ. لَا أَعْرِفُ مَاذَا سَيَحْمِلُ الْمُسْتَقْبَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّهُمْ، جَمِيعًا، اخْتَارُوا، فِي لَحْظَةٍ مَا مِنْ حَيَاتِهِمْ، أَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ فِي صِنَاعَةِ مَعْنَاهُمُ الْخَاصِّ، لَا ضَحَايَا صَامِتِينَ لِظُرُوفِهِمْ.”
الْفَصْلُ الْخَمْسُونَ (الْأَخِيرُ)
بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، حِينَ رَنَّ الْهَاتِفُ فِي مَطْبَخِ سَلْمَى فَتَسَاقَطَ الدَّقِيقُ مِنْ يَدَيْهَا كَالثَّلْجِ، وَقَفَتْ سَلْمَى، امْرَأَةٌ فِي مُنْتَصَفِ الْخَمْسِينِيَّاتِ الْآنَ، أَمَامَ مِرْآةِ غُرْفَتِهَا، تَسْتَعِدُّ لِحُضُورِ حَفْلِ تَخَرُّجِ لِينَا مِنَ الْجَامِعَةِ.
نَظَرَتْ إِلَى انْعِكَاسِهَا طَوِيلًا: خُطُوطُ تَجَاعِيدَ جَدِيدَةٍ حَوْلَ عَيْنَيْهَا، وَشَعْرٌ بَدَأَ يَشِيبُ عِنْدَ الصُّدْغَيْنِ، لَكِنَّ نَظْرَةَ عَيْنَيْهَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الشَّابَّةِ الْخَائِفَةِ الَّتِي وَقَفَتْ أَمَامَ حَوْضِ الْمَطْبَخِ قَبْلَ عُقُودٍ مِنَ الزَّمَنِ.
دَخَلَ يُوسُفُ، الَّذِي أَصْبَحَ هُوَ الْآخَرُ رَجُلًا فِي مُنْتَصَفِ الْعُمْرِ، هَادِئًا وَوَاثِقًا بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهَا فِي شَبَابِهِ.
«سَلْمَى، جَاهِزَةٌ؟»
«أَكَادُ أَكُونُ. كُنْتُ فَقَطْ أَتَأَمَّلُ نَفْسِي فِي الْمِرْآةِ.»
اقْتَرَبَ مِنْهَا، وَوَقَفَ خَلْفَهَا، يَنْظُرَانِ مَعًا إِلَى الِانْعِكَاسِ نَفْسِهِ، كَأَنَّهُمَا يَقِفَانِ أَمَامَ نَافِذَةٍ وَاحِدَةٍ تُطِلُّ عَلَى كُلِّ السَّنَوَاتِ الَّتِي مَضَتْ.
«يُوسُفُ، أَتَعْرِفُ؟ حِينَ بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ، مُنْذُ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَشْغَلُنِي هُوَ: هَلْ أَنَا ضَحِيَّةُ مَا حَدَثَ لِي، أَمْ صَانِعَتُهُ؟ الْيَوْمَ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ الَّتِي مَرَّتْ، لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ إِجَابَةً نِهَائِيَّةً لِهَذَا السُّؤَالِ.»
«وَهَلْ تَحْتَاجِينَ إِجَابَةً نِهَائِيَّةً، يَا سَلْمَى؟»
فَكَّرَتْ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، كَمَنْ يَزِنُ كَلِمَاتِهِ عَلَى مِيزَانِ عُمْرٍ بِأَكْمَلِهِ.
«لَا أَظُنُّ ذَلِكَ. أَظُنُّ أَنِّي، بَدَلًا مِنْ إِجَابَةٍ نِهَائِيَّةٍ، وَجَدْتُ طَرِيقَةً لِلْعَيْشِ مَعَ السُّؤَالِ نَفْسِهِ. لَمْ أَخْتَرْ مَرَضَ أَبِي، وَلَا خَوْفَ الْأَجْيَالِ الَّتِي سَبَقَتْنِي، وَلَا الْحَرْبَ الَّتِي اقْتَلَعَتْنِي مِنْ وَطَنِي الْأَوَّلِ. لَكِنِّي اخْتَرْتُ، مِرَارًا وَتَكْرَارًا، مَاذَا أَفْعَلُ بِكُلِّ مَا حَدَثَ لِي: اخْتَرْتُ أَنْ أَسْأَلَ بَدَلَ أَنْ أَصْمُتَ، أَنْ أَسْتَمِعَ بَدَلَ أَنْ أَحْكُمَ، أَنْ أُشَارِكَ فِي صِنَاعَةِ مَعْنَى كُلِّ مَا مَرَرْتُ بِهِ، بَدَلَ أَنْ أَسْتَسْلِمَ لِتَفْسِيرٍ جَاهِزٍ فُرِضَ عَلَيَّ مِنَ الْخَارِجِ.»
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَيْهَا فِي الْمِرْآةِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ صَفَاءَ مَنْ عَبَرَ رِحْلَتَهُ الْخَاصَّةَ:
«وَأَنَا أَيْضًا، يَا سَلْمَى. لَمْ أَخْتَرْ أَنْ يُغَادِرَ أَبِي حِينَ كُنْتُ طِفْلًا، وَلَا أَنْ أَرِثَ خَوْفًا مِنَ الْفُقْدَانِ جَعَلَنِي أُرَاقِبُكِ بَدَلَ أَنْ أَثِقَ بِكِ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً. لَكِنِّي اخْتَرْتُ، حِينَ حَانَ الْوَقْتُ، أَنْ أُوَاجِهَ هَذَا الْخَوْفَ، أَنْ أَعْتَرِفَ بِهِ، أَنْ أَتَعَلَّمَ لُغَةً جَدِيدَةً لِلْحُبِّ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهَا.»
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، دَخَلَتْ لِينَا الْغُرْفَةَ، بِثَوْبِ التَّخَرُّجِ، وَابْتِسَامَةٍ مُشْرِقَةٍ تَمْلَأُ وَجْهَهَا.
«أُمِّي، أَبِي، هَلْ أَنْتُمَا جَاهِزَانِ؟ سَيَتَأَخَّرُ الْجَمِيعُ عَلَيْنَا.»
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى ابْنَتِهَا، هَذِهِ الْمَرْأَةِ الشَّابَّةِ الَّتِي كَبُرَتْ أَمَامَ عَيْنَيْهَا، حَامِلَةً كُلَّ الدُّرُوسِ الَّتِي تَعَلَّمَتْهَا الْأُسْرَةُ بِأَلَمٍ وَصِدْقٍ، وَشَعَرَتْ بِامْتِنَانٍ يَفُوقُ الْوَصْفَ.
«لِينَا، قَبْلَ أَنْ نَذْهَبَ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا وَاحِدًا، السُّؤَالَ الَّذِي طَرَحَتْهُ عَلَيَّ رِيمُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَغَيَّرَ مَسَارَ حَيَاتِي بِالْكَامِلِ.»
«تَفَضَّلِي، يَا أُمِّي.»
«هَلْ أَنْتِ سَعِيدَةٌ؟»
فَكَّرَتْ لِينَا طَوِيلًا، بِجِدِّيَّةٍ تَلِيقُ بِحَجْمِ السُّؤَالِ، ثُمَّ قَالَتْ:
«أَشْعُرُ أَنِّي، يَا أُمِّي، لَا أَمْلِكُ إِجَابَةً وَاحِدَةً كَامِلَةً عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، بَلْ إِجَابَةً تَتَغَيَّرُ كُلَّ يَوْمٍ، حَسْبَ مَا أُوَاجِهُهُ. لَكِنِّي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا بِيَقِينٍ: أَنَا حُرَّةٌ، حُرَّةٌ أَنْ أَسْأَلَ هَذَا السُّؤَالَ لِنَفْسِي، كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جَدِيدٍ، دُونَ أَنْ يُمْلِيَ عَلَيَّ أَحَدٌ الْجَوَابَ. وَأَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْحُرِّيَّةَ نَفْسَهَا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْإِجَابَةِ الْيَوْمِيَّةِ، هِيَ مَا يَجْعَلُنِي، فِي جَوْهَرِي، سَعِيدَةً.»
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى بِدُمُوعٍ فِي عَيْنَيْهَا، وَشَعَرَتْ أَنَّ هَذِهِ الْإِجَابَةَ، أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ إِجَابَةٍ أُخْرَى مُمْكِنَةٍ، كَانَتِ الثَّمَرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِكُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنَ الرِّحْلَةِ.
خَرَجَتِ الْعَائِلَةُ الثَّلَاثَةُ مَعًا إِلَى حَفْلِ التَّخَرُّجِ، وَفِي الطَّرِيقِ، نَظَرَتْ سَلْمَى مِنْ نَافِذَةِ السَّيَّارَةِ إِلَى الشَّوَارِعِ الَّتِي أَصْبَحَتْ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، جُزْءًا لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ هُوِيَّتِهَا، بِقَدْرِ مَا كَانَتْ شَوَارِعُ طُفُولَتِهَا الْبَعِيدَةِ.
فَكَّرَتْ فِي كُلِّ مَنْ عَرَفَتْهُمْ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ: أَبِيهَا الَّذِي رَحَلَ بِسَلَامٍ قَبْلَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، بَعْدَ أَنْ قَالَ كُلَّ مَا لَمْ يَقُلْهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ؛ وَمِيسَاءَ، الَّتِي أَصْبَحَتْ أُمًّا الْآنَ، تُرَبِّي طِفْلَهَا بِوَعْيٍ جَدِيدٍ؛ وَزِيَادٍ، الَّذِي وَجَدَ صَوْتَهُ أَخِيرًا؛ وَنَجَاةَ، الَّتِي تَعَلَّمَتْ، فِي شَيْخُوخَتِهَا، لُغَةً جَدِيدَةً لِلْحُبِّ؛ وَكُلَّ الْأَصْوَاتِ الْأُخْرَى، الْقَرِيبَةَ وَالْبَعِيدَةَ، الَّتِي شَكَّلَتْ، مَعًا، نَسِيجَ فَهْمِهَا لِمَعْنَى أَنْ تَكُونَ إِنْسَانًا.
وَصَلَتِ الْعَائِلَةُ إِلَى قَاعَةِ الْحَفْلِ، وَجَلَسَتْ بَيْنَ الْحُضُورِ، تَنْتَظِرُ أَنْ يُنَادَى اسْمُ لِينَا لِتَصْعَدَ الْمِنَصَّةَ وَتَسْتَلِمَ شَهَادَتَهَا.
حِينَ نُودِيَ اسْمُهَا، وَقَفَتْ لِينَا، وَمَشَتْ نَحْوَ الْمِنَصَّةِ بِثِقَةٍ هَادِئَةٍ، وَنَظَرَتْ، لِلَحْظَةٍ، نَحْوَ وَالِدَيْهَا فِي الصُّفُوفِ الْأَمَامِيَّةِ، وَابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً تَحْمِلُ كُلَّ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَهُ الْكَلِمَاتُ.
جَلَسَتْ سَلْمَى، وَدُمُوعُهَا تَنْهَمِرُ بِصَمْتٍ مِنَ الْفَرَحِ، وَأَمْسَكَتْ يَدَ يُوسُفَ بِقُوَّةٍ، كَمَنْ يُثَبِّتُ لَحْظَةً لَا تَتَكَرَّرُ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ تُسَلَّمُ لِلِينَا وَسْطَ تَصْفِيقِ الْحُضُورِ، فَكَّرَتْ سَلْمَى فِي السُّؤَالِ الَّذِي رَافَقَ هَذِهِ الرِّحْلَةَ كُلَّهَا، مُنْذُ أَوَّلِ سَطْرٍ كَتَبَتْهُ فِي دَفْتَرِهَا الْقَدِيمِ قَبْلَ عُقُودٍ: هَلْ أَمْلِكُ صِنَاعَةَ الْحَدَثِ، أَمْ أَنَا فَقَطْ ضَحِيَّتُهُ؟
وَنَظَرَتْ إِلَى ابْنَتِهَا، إِلَى زَوْجِهَا، إِلَى كُلِّ الْوُجُوهِ الْمُحِيطَةِ بِهَا الَّتِي أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ قِصَّتِهَا، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ الْإِجَابَةَ، فِي النِّهَايَةِ، لَمْ تَكُنْ يَوْمًا فِي يَدِهَا وَحْدَهَا لِتُحْسَمَ. كَانَتِ الْإِجَابَةُ تُكْتَبُ، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فِي كُلِّ اخْتِيَارٍ صَغِيرٍ اتَّخَذَتْهُ، وَفِي كُلِّ اخْتِيَارٍ صَغِيرٍ اتَّخَذَهُ مَنْ حَوْلَهَا، مَعًا، لَا بِمُفْرَدِهِمْ.
لَمْ تَكُنْ هَذِهِ نِهَايَةَ الْحِكَايَةِ. لَنْ تَكُونَ هُنَاكَ نِهَايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، مَا دَامَتِ الْحَيَاةُ مُسْتَمِرَّةً. لَكِنَّهَا كَانَتْ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، مِرْآةً كَافِيَةً لِتَرَى فِيهَا كُلَّ الطَّرِيقِ الَّذِي قُطِعَ، وَكُلَّ الطَّرِيقِ الَّذِي مَا زَالَ مُمْتَدًّا أَمَامَهَا، بِلَا يَقِينٍ كَامِلٍ، لَكِنْ بِثِقَةٍ هَادِئَةٍ أَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ، مَهْمَا طَالَ طَرْحُهُ، يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاشَ، لَا أَنْ يُحْسَمَ.
الْمِيرَاثُ الَّذِي حَمَلَتْهُ سَلْمَى، وَحَمَلَهُ كُلُّ مَنْ عَرَفَتْهُمْ، لَمْ يَكُنْ قَدَرًا مُغْلَقًا وَلَا اخْتِيَارًا مُطْلَقًا. كَانَ، وَسَيَبْقَى، مَسَاحَةً مَفْتُوحَةً، يُعَادُ صِيَاغَتُهَا فِي كُلِّ جِيلٍ، بِيَدِ مَنْ يَحْمِلُهَا، لِيُقَرِّرَ، كُلَّ مَرَّةٍ مِنْ جَدِيدٍ: مَاذَا يَحْمِلُ مَعَهُ، وَمَاذَا يَتْرُكُ خَلْفَهُ، وَمَاذَا يَخْتَارُ أَنْ يُوَرِّثَهُ لِمَنْ سَيَأْتِي بَعْدَهُ.
