الإهــــــداء
__________________________________
إِلى الَّذينَ أَحَبَتْ قُلُوبُهُم بِصِدقٍ…
لا كما تُحَبُّ الأشياءُ الجميلةُ حينَ تُرى، بَل كما يُحَبُّ الضوءُ حينَ يَغيبُ — بِشدَّةٍ لا تُعلَنُ، وبِجُرحٍ لا يُريدُ أن يَلتَئِمَ تمامًا.
إِلى الذينَ حَملوا ذلكَ الحُبَّ طويلًا في راحتَيهِم، يَبحثونَ عن مكانٍ يَضعونَهُ فيه — فلم يَجِدوا يَدًا تَمتَدُّ في اللحظةِ الصحيحة، ولا كلمةً تخرجُ دافئةً حينَ كانَ البردُ أشدَّ ما يَكون.
إِلى الواقفينَ على عَتَبةِ الإِطار— لا داخلَ المَشهدِ لِيَلمَسوا، ولا خارجَهُ بما يَكفي لِيَنسَوا. يُراقِبونَ حياتَهُم تَمضي من تلكَ المسافةِ المُعذَّبة، التي لا تَهَبُ الفَهمَ الكاملَ، ولا تَمنَحُ كَرامَةَ الانسحابِ النَّظيف.
إِلى كلِّ قَلبٍ آمَنَ أنَّهُ يَرى بِوُضوح… ثُمَّ اكتَشَفَ، في تلكَ اللحظةِ التي لا تُستَرَدُّ، أنَّ الرُّؤيةَ ذاتَها كانَت تَنقُصُها طَبقة— وأنَّ ما اختارَ القَلبُ ألَّا يَراهُ لَم يَكُن عَجزًا في العَينَين، بَل كانَ ذلكَ الشيءَ الوحيدَ الذي ظَنَّ أنَّهُ يَحميهِ مِن ثِقَلِ ما يَعرِف.
_______________________________________
هذه الروايةُ لكم — أنتُم الذينَ أَحبَّتْ قُلوبُكُم كثيرًا، وصَمَتَت أَصواتُكُم أَكثَر.
_______________________________________
اِفْتِتاحِيَّةٌ
فِي الفَنِّ، لَيْسَ كُلُّ ما يُرْسَمُ يُفْهَمُ. وَفِي الحَياةِ، لَيْسَ كُلُّ ما يُفْهَمُ يُغْفَرُ.
ثَمَّةَ شَيْءٌ دائِمًا يَقِفُ خارِجَ الإِطارِ— ظِلٌّ يَرْفُضُ أَنْ يَتَوارى، أَوِ احْتِمالٌ لَمْ يُمْنَحْ فُرْصَتَهُ، أَوْ حَياةٌ كامِلَةٌ عاشَها أَصْحابُها عَلى هامِشِ ما كانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ.
لَمْ تَكُنِ المُشْكِلَةُ أَنَّهُما التَقَيا. فَاللِّقاءاتُ تَحْدُثُ كُلَّ يَوْمٍ، وَلا تَتْرُكُ أَثَرًا. المُشْكِلَةُ أَنَّهُما، مُنْذُ الثّانِيَةِ الأُولى الَّتِي تَبادَلا فِيها النَّظَرَ—أَوْ رُبَّما حِيْنَ قَبِلَ أَحَدِهِمَا الآخَرَ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الغَرِيبَةِ الَّتِي يَسْبِقُ فِيها الإِحْساسُ الوَعْيَ—رَأَيا بَعْضَهُما بِرُؤْيَةٍ تَجاوَزَتْ ما يُحْتَمَلُ.
وُضُوحٌ مُرْبِكٌ لا يُطْمَئِنُ. وُضُوحٌ يُشْبِهُ الوُقُوفَ عَلى حافَّةٍ: لا الخُطْوَةُ إِلَى الأَمامِ آمِنَةٌ، وَلا التَّراجُعُ مُمْكِنٌ بَعْدَها.
كَأَنَّ كُلًّا مِنْهُما كانَ يَقِفُ أَمامَ لَوْحَةٍ يَعْرِفُ أَنَّ فِيها شَيْئًا مِنْهُ— شَيْءٌ يُشْبِهُ مَلامِحَهُ، أَوْ يُشْبِهُ ما أَرادَ أَنْ يَكُونَهُ — لَكِنَّهُ لا يَعْرِفُ، وَلَنْ يَعْرِفَ رُبَّما أَبَدًا:
هَلْ هُوَ تَفْصِيلٌ فِي مُكَوِّناتِ هٰذِهِ اللَّوْحَةِ؟ حَيْثُ رَسَمَتْهُ الرِّيشَةُ بِأَلْوانِهِ الحَقِيقِيَّةِ وَوَضَعَتْهُ فِي مَكانِهِ الصَّحِيحِ؟
أَمْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ مُتَأَمِّلٍ يَقِفُ خارِجَها؟ يُحَدِّقُ فِيها إِلَى ما لا نِهايَةَ.
أَمْ أَنَّ هٰذِهِ اللَّوْحَةَ — فِي صَمْتِها الأَنِيقِ— لا تَعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟
اللوحة الأولى: اللوحة الأولى من خارج الإطار-الجزء الأول
اللوحة الثانية: الجزء الثاني
اللوحة الثالثة: الجزء الثالث
اللوحة الرابعة: الجزء الرابع
اللوحة الخامسة: الجزء الخامس
