مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفصل الثامن والعشرون – المُبَشِّرُ الجَاهِل – المُبَشِّرُ الجَاهِلُ (ذَكَرٌ، أَرْبَعٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً) | أَمْرِيكَا الوُسْطَى، عَامُ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ مِيلادِيَّةً – «حِينَ يُصْبِحُ الدِّينُ أَدَاةَ مَحْوِ الذَّاكِرَة»
________________________________________
لَمْ يَكُنِ الرَّوَاقُ هَذِهِ الْمَرَّةَ مُضَاءً بِذَلِكَ الضَّوْءِ الخَافِتِ الَّذِي اعْتَادَهُ سَامِرٌ فِي رِحْلَاتِهِ السَّابِقَةِ.
كَانَتِ الْقَاعَةُ مُظْلِمَةً بِالْكَامَلِ، كَأَنَّ شَمْعَةً ضَخْمَةً انْطَفَأَتْ لِتَوِّهَا وَتَرَكَتْ وَرَاءَهَا دُخَاناً لَا يَزَالُ يَتَصَاعَدُ فِي الْهَوَاءِ الرَّاكِدِ.
رَائِحَةٌ حَارِقَةٌ طَعَنَتْ أَنْفَ سَامِرٍ فَوْرَ عُبُورِهِ الْعَتَبَةَ؛ رَائِحَةُ وَرَقٍ مُتَفَحِّمٍ وَجِلْدٍ مُحْتَرِقٍ وَحِبْرٍ تَلَاشَى مَعَ الدُّخَانِ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ.
وَفِي أَرْجَاءِ الْقَاعَةِ الْوَاسِعَةِ، كَانَتْ أَكْوَامٌ مِنَ الرَّمَادِ الرَّمَادِيِّ الدَّاكِنِ مُتَنَاثِرَةً هُنَا وَهُنَاكَ كَتَلَالٍ صَغِيرَةٍ حَزِينَةٍ، بَقَايَا مَا بَدَا لِسَامِرٍ لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى أَنَّهُ كُتُبٌ أَوْ مَخْطُوطَاتٌ، رُبَّمَا كَانَتْ حَتَّى سَاعَاتٍ قَلِيلَةً مَضَتْ تَحْمِلُ كَلِمَاتٍ حَيَّةً وَأَفْكَاراً لَا تَمُوتُ.
وَقَفَ فِي وَسَطِ كُلِّ هَذَا الخَرَابِ رَجُلٌ فِي الرَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهِ، يَرْتَدِي رِدَاءً كَهَنُوتِيَّاً طَوِيلاً ذَا لَوْنِ بُنِّيٍّ دَاكِنٍ، يَحْمِلُ وَجْهُهُ تَعَباً عَمِيقاً مُتَرَاكِماً، كَأَنَّ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً مِنَ الْمُرَاجَعَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الْمُؤْلِمَةِ قَدْ نَحَتَتْ تَجَاعِيدَهَا عَلَى جَبِينِهِ وَزَوَايَا فَمِهِ.
وَفِي عَيْنَيْهِ، شَيْءٌ يُشْبِهُ النَّدَمَ الَّذِي جَاوَزَ حُدُودَ الْكَلِمَاتِ وَتَحَوَّلَ إِلَى مَسْكَنٍ دَائِمٍ فِي أَعْمَاقِ الرُّوحِ.
نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى سَامِرٍ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالشَّكِّ الحَذِرِ، وَكَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ اتِّهَاماً اعْتَادَ سَمَاعَهُ:
ـ مَنْ أَنْتَ؟
صَمَتَ لِحَظَةً، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ يَخْتَلِطُ فِيهَا التَّحَدِّي بِالتَّعَبِ:
ـ هَلْ أَتَيْتَ لِتُدِينَنِي؟
هَزَّ رَأْسَهُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاسْتِسْلَامَ الحَزِينَ:
ـ كَثِيرُونَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِالْفِعْلِ، وَلَا أَلُومُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، رَغْمَ أَنَّنِي فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُهُ بِاسْمِ الرَّبِّ وَبِإِخْلَاصٍ كَامِلٍ لَمْ أَشُكَّ فِيهِ لَحْظَةً وَاحِدَةً فِي ذَلِكَ الوَقْتِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ يَسْرِي فِي أَوْصَالِهِ.
لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ أَمَامَهُ مُجَرَّدَ شَخْصِيَّةٍ تَنْتَظِرُ مِنْهُ إِدَانَةً سَهْلَةً أَوْ تَبْرِئَةً مُرِيحَةً.
كَانَ يَقِفُ أَمَامَهُ شَيْءٌ أَثْقَلُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ: ضَمِيرٌ بَشَرِيٌّ يُصَارِعُ نَفْسَهُ فِي الظَّلَامِ.
قَالَ سَامِرٌ بِهُدُوءٍ مَقْصُودٍ:
ـ أَنَا سَامِرٌ.
ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ لَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ:
ـ لَمْ آتِ لِأُدِينَكَ، بَلْ لِأَفْهَمَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ بِشَكٍّ لَمْ يَخْتَفِ كُلِّيَّاً، لَكِنَّهُ تَرَاجَعَ قَلِيلاً، كَأَنَّ كَلِمَةَ «أَفْهَمَ» لَامَسَتْ فِيهِ شَيْئاً نَادِراً لَمْ يَتَوَقَّعْهُ.
أَشَارَ بِيَدِهِ الْمُرْتَجِفَةِ قَلِيلاً إِلَى أَكْوَامِ الرَّمَادِ الْمُتَنَاثِرَةِ مِنْ حَوْلِهِمَا:
ـ أَحْرَقْتُ مَخْطُوطَاتٍ يَا سَامِرٌ.
صَمَتَ لِحَظَةً وَكَأَنَّهُ يَسْتَجْمِعُ الشَّجَاعَةَ عَلَى قَوْلِ الرَّقْمِ كَامِلاً:
ـ مِئَاتٌ مِنْهَا، رُبَّمَا آلَافٌ.
نَزَلَ صَوْتُهُ قَلِيلاً حِينَ أَكْمَلَ:
ـ مَخْطُوطَاتُ شَعْبِ الْمَايَا.
تَوَقَّفَ مَرَّةً أُخْرَى، كَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَكْلِفُهُ جُهْداً:
ـ كَانَتْ تَحْمِلُ مَعْرِفَتَهُمُ الفَلَكِيَّةَ الَّتِي صَبَرُوا عَلَى بِنَائِهَا مِئَاتِ السَّنِينَ، وَتَارِيخَهُمُ الَّذِي سَجَّلُوهُ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ، وَطُقُوسَهُمُ الَّتِي عَبَّرُوا بِهَا عَنْ أَعْمَقِ أَسْئِلَتِهِمْ، وَحِكْمَتَهُمُ الْمُتَرَاكِمَةَ جِيلاً فَوْقَ جِيلٍ عَبْرَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ لَا تُحْصَى.
شَعَرَ سَامِرٌ بِصَدْمَةٍ حَارَّةٍ صَعَدَتْ مِنْ بَطْنِهِ إِلَى صَدْرِهِ.
تَذَكَّرَ فَوْرَاً وَجْهَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمَايَاوِيَّةِ الَّتِي قَابَلَهَا فِي جَلْسَةٍ سَابِقَةٍ، كَيْفَ تَحَدَّثَتْ عَنْ أَجْدَادِهَا بِعَيْنَيْنِ تَشُعَّانِ بِفَخْرٍ وَأَلَمٍ مُتَشَابِكَيْنِ، عَنْ تَقْوِيمٍ فَلَكِيٍّ بَلَغَ مِنَ الدِّقَّةِ مَا أَرْبَكَ عُلَمَاءَ الْفَلَكِ الْحَدِيثِينَ أَنْفُسَهُمْ.
وَهَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي حَرَقَ تِلْكَ الذَّاكِرَةَ يَقِفُ أَمَامَهُ.
قَالَ بِصَوْتٍ خَافَتٍ:
ـ لِمَاذَا فَعَلْتَ هَذَا؟
أَطْرَقَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِنْدَمَا رَفَعَهُ مَرَّةً أُخْرَى، كَانَ صَوْتُهُ يَحْمِلُ ثِقَلَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنْ إِعَادَةِ النَّظَرِ الْمُؤْلِمَةِ:
ـ ظَنَنْتُ، بِصِدْقٍ كَامِلٍ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، أَنَّ تِلْكَ الْمَخْطُوطَاتِ تَحْمِلُ عِبَادَةَ شَيَاطِينَ.
ثُمَّ أَكْمَلَ، كَأَنَّهُ يُحَاكِمُ نَفْسَهُ بِصَوْتٍ عَالٍ:
ـ ظَنَنْتُ أَنَّهَا تُبْعِدُ الناسَ عَنِ الإِيمَانِ الحَقِيقِيِّ وَعَنِ الخَلَاصِ الأَبَدِيِّ.
هَزَّ رَأْسَهُ بِحُزْنٍ وَهُوَ يُضِيفُ:
ـ ظَنَنْتُ أَنَّنِي أَخْدُمُ الرَّبَّ بِمَحْوِهَا، أَنَّنِي أُنْقِذُ أَرْوَاحَ مَنْ كَانَ سَيَقْرَأُهَا لَاحِقاً مِنْ ضَلَالٍ أَبَدِيٍّ لَا مَخْرَجَ مِنْهُ.
صَمَتَ سَامِرٌ لِيَتْرُكَهُ يُكْمِلُ.
ـ فَكَّرْتُ بِذَلِكَ كَمَا يُفَكِّرُ رَجُلٌ يُنْقِذُ طِفْلاً مِنَ الْغَرَقِ، بِيَقِينٍ لَا تَشُوبُهُ شَائِبَةٌ وَاحِدَةٌ.
ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ أَخَفَضَ:
ـ هَذَا مَا يُؤْلِمُنِي الْيَوْمَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ سَامِرٌ:
ـ وَمَاذَا تَظُنُّ الآنَ؟
رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ، وَفِي عَيْنَيْهِ أَلَمٌ حَقِيقِيٌّ لَا يُشْبِهُ الأَدَاءَ الْمَسْرَحِيَّ:
ـ الآنَ، بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُ هَذَا الْمَكَانَ الغَرِيبَ الَّذِي لَا أَعْرِفُ حَتَّى اللَّحْظَةَ كَيْفَ أُسَمِّيهِ، وَبَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ صَدَى مَا فَعَلْتُهُ يَعُودُ إِلَيَّ مِنَ الجُدْرَانِ وَالأَرْوَاحِ وَالتَّارِيخِ نَفْسِهِ، أَدْرَكْتُ أَنَّنِي مَحَوْتُ ذَاكِرَةَ حَضَارَةٍ كَامِلَةٍ بِسَبَبِ جَهْلِي وَتَعَصُّبِي.
وَقَفَ لِثَانِيَةٍ، ثُمَّ شَدَّدَ:
ـ لَا بِسَبَبِ حِكْمَةٍ إِيمَانِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
ثُمَّ قَالَ الْجُمْلَةَ الَّتِي بَدَتْ وَكَأَنَّهُ حَمَلَهَا طَوِيلاً قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا:
ـ دَمَّرْتُ مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِعَادَتُهُ أَبَداً، بِاسْمِ إِلَهٍ أُؤْمِنُ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الرَّحْمَةِ لَا إِلَى مَحْوِ الذَّاكِرَةِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِصِرَاعٍ دَاخِلِيٍّ حَقِيقِيٍّ.
كَانَ هُنَاكَ غَضَبٌ يَنْبَثِقُ مِنْ جُزْءٍ مِنْهُ؛ غَضَبٌ عَلَى رَجُلٍ أَحْرَقَ مَا لَا يَمْلِكُ حَرْقَهُ.
لَكِنَّ هُنَاكَ أَيْضاً شَيْئاً آخَرَ، شَيْءٌ يُشْبِهُ التَّعَاطُفَ مَعَ بَشَرٍ تَعَلَّمَ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.
قَالَ بِصِرَاحَةٍ:
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ النَّدَمَ يَكْفِي؟
ثُمَّ أَكْمَلَ وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى الرَّمَادِ مِنْ حَوْلِهِمَا:
ـ بَعْدَ مَحْوِ مَعْرِفَةٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِعَادَتُهَا أَبَداً؟
هَزَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَفِي نَظْرَتِهِ صِدْقٌ لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُجَمِّلَهُ:
ـ لَا.
قَالَهَا بِلَا تَرَدُّدٍ:
ـ الرَّدَمُ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي أَبَداً، وَلَا أَتَوَقَّعُ أَنْ يَكْفِيَ.
ثُمَّ أَكْمَلَ بِنَبْرَةٍ يَبْدُو فِيهَا رَجُلٌ قَرَّرَ أَلَّا يُعَامِلَ نَفْسَهُ بِرِفْقٍ لَا تَسْتَحِقُّهُ:
ـ مَا فَعَلْتُهُ لَا يُمْحَى بِنَدَمٍ لَاحِقٍ، مَهْمَا كَانَ عَمِيقاً وَصَادِقاً.
تَوَقَّفَ، ثُمَّ قَالَ شَيْئاً بَدَا لِسَامِرٍ أَكْثَرَ نُضْجاً مِمَّا يَتَوَقَّعُهُ مِنْ رَجُلٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ:
ـ لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّنِي مَدِينٌ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ عَلَى الْأَقَلِّ؛ أَنْ أَفْهَمَ بِدِقَّةٍ مَا فَعَلْتُهُ حَقَّاً، أَنْ لَا أَهْرُبَ مِنْ ثِقَلِ الحَقِيقَةِ بِأَعْذَارٍ سَهْلَةٍ وَمُرِيحَةٍ.
________________________________________
قَالَ سَامِرٌ وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ أَكْثَرَ:
ـ مَا الَّذِي يَجْعَلُكَ وَاثِقاً الآنَ أَنَّ إِيمَانَكَ كَانَ مُضَلَّلاً، لَا حِكْمَةً حَقِيقِيَّةً؟
فَكَّرَ الرَّجُلُ طَوِيلاً، وَعَيْنَاهُ تَجُولَانِ فِي الرَّمَادِ الْمُحِيطِ بِهِمَا كَمَنْ يَقْرَأُ فِيهِ سِجِلَّ أَخْطَائِهِ:
ـ الْتَقَيْتُ، قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ، بِأَشْخَاصٍ مِنْ تِلْكَ الحَضَارَةِ الَّتِي حَاوَلْتُ مَحْوَهَا.
أَشَارَ إِلَى قَلْبِهِ وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ تَبْقَى الْكَلِمَاتُ التَّالِيَةُ مَنْقُوشَةً فِيهِ:
ـ سَمِعْتُ، وَلَوْ مُتَأَخِّراً جِدَّاً، عَنْ عُمْقِ مَعْرِفَتِهِمُ الفَلَكِيَّةِ وَكَيْفَ بَلَغَتْ مِنَ الدِّقَّةِ مَا يُدْهِشُ الْعَقْلَ.
ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ أَرَقَّ:
ـ سَمِعْتُ عَنْ حِكْمَتِهِمْ فِي فَهْمِ الزَّمَنِ وَالْكَوْنِ، عَنْ جَمَالِ رُؤْيَتِهِمُ الرُّوحِيَّةِ الخَاصَّةِ بِهِمْ.
ثُمَّ جَاءَتِ الْجُمْلَةُ الَّتِي بَدَتْ كَالْمَسْمَارِ الَّذِي يُثَبِّتُ كُلَّ مَا قَبْلَهَا:
ـ أَدْرَكْتُ أَنَّ مَا ظَنَنْتُهُ شَيْطَانِيَّاً كَانَ، فِي الحَقِيقَةِ، طَرِيقاً مُخْتَلِفاً لِفَهْمِ الإِلَهِ أَوِ الكَوْنِ، طَرِيقاً لَمْ أَمْنَحْ نَفْسِي الفُرْصَةَ لِفَهْمِهِ بِصِدْقٍ قَبْلَ أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْهِ وَأُدَمِّرَهُ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا الاعْتِرَافِ يَمْلَأُ الْفَضَاءَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ سَأَلَ:
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ إِيمَانَكَ الأَصْلِيَّ وَتَعَالِيمَ دِينِكَ تَتَحَمَّلَانِ مَسْؤُولِيَّةَ مَا فَعَلْتَهُ، أَمْ أَنْتَ وَحْدَكَ؟
نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ طَوِيلاً، وَكَأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ هُوَ الَّذِي يُصَارِعُهُ فِي سَاعَاتِ الصَّمْتِ وَاليَقَظَةِ:
ـ هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي لَا يَتْرُكُنِي.
قَالَهَا بِهُدُوءٍ لَيْسَ فِيهِ تَهَرُّبٌ:
ـ أَعْتَقِدُ أَنَّ تَعَالِيمَ دِينِي الحَقِيقِيَّةَ، فِي جَوْهَرِهَا الصَّافِي، تَدْعُو إِلَى الرَّحْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَاحْتِرَامِ كَرَامَةِ كُلِّ إِنْسَانٍ.
ثُمَّ تَوَقَّفَ قَبْلَ أَنْ يُضِيفَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ حِدَّةً عَلَى نَفْسِهِ:
ـ لَكِنَّنِي، وَمِنْ مِثْلِي كَثِيرُونَ عَبْرَ التَّارِيخِ، حَرَّفْنَا تِلْكَ التَّعَالِيمَ لِتَبْرِيرِ تَعَصُّبِنَا وَجَهْلِنَا وَأَحْيَاناً جَشَعِنَا.
ثُمَّ خَلَصَ إِلَى مَا يَبْدُو أَنَّهُ قَدْ فَكَّرَ فِيهِ طَوِيلاً:
ـ الْمُشْكِلَةُ لَمْ تَكُنْ فِي جَوْهَرِ الإِيمَانِ، بَلْ فِي كَيْفَ فَهِمْتُهُ أَنَا، وَكَيْفَ اسْتَخْدَمْتُهُ، بِضِيقِ أُفُقٍ خَطِيرٍ أَعْمَانِي عَنِ الحَقِيقَةِ.
قَالَ سَامِرٌ:
ـ هَذَا فَرْقٌ دَقِيقٌ، لَكِنَّهُ مُهِمٌّ.
أَوْمَأَ الرَّجُلُ بِرَأْسِهِ بِإِلْحَاحٍ:
ـ هُوَ مُهِمٌّ جِدَّاً، وَأَنَا مُقْتَنِعٌ بِذَلِكَ.
ثُمَّ شَرَحَ بِوُضُوحٍ:
ـ لَوْ أَلْقَيْتُ كُلَّ اللَّوْمِ عَلَى الدِّينِ نَفْسِهِ لَكُنْتُ قَدْ تَهَرَّبْتُ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِي الشَّخْصِيَّةِ الْكَامِلَةِ عَنْ جَهْلِي وَتَعَصُّبِي.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ بِحَسْمٍ:
ـ اللَّوْمُ يَقَعُ عَلَيَّ أَنَا؛ عَلَى قَرَارَاتِي، وَعَلَى رَفْضِي أَنْ أَتَعَلَّمَ وَأَفْهَمَ قَبْلَ أَنْ أَحْكُمَ وَأُدَمِّرَ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ تَتَشَكَّلُ مِنْ أَعْمَاقِهِ الخَاصَّةِ، وَقَالَ بِتَأَمُّلٍ:
ـ هَذَا يَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ فِي يَوْمِي الْمَفْقُودِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
تَوَقَّفَ، ثُمَّ أَكْمَلَ:
ـ رُبَّمَا الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي النِّسْيَانِ نَفْسِهِ، بَلْ فِيمَا إِذَا كُنْتُ أَنَا، بِفِعْلٍ أَوْ بِتَقْصِيرٍ، قَدْ سَبَّبْتُ ضَرَراً لَمْ أَتَذَكَّرْهُ لَاحِقاً.
نَظَرَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ بِجِدِّيَّةٍ عَمِيقَةٍ وَقَالَ:
ـ هَذَا خَوْفٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ تَأْخُذَهُ عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ يَا سَامِرُ.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ حَانِيَةٍ لَمْ تَكُنْ تَنْسَجِمُ مَعَ ثِقَلِ مَا اعْتَرَفَ بِهِ:
ـ لَكِنْ بِحَذَرٍ أَيْضاً.
ثُمَّ شَرَحَ بِوُضُوحٍ:
ـ لَا تَجْلِدْ نَفْسَكَ بِفَرَضِيَّاتٍ لَا تَمْلِكُ دَلِيلاً عَلَيْهَا بَعْدُ.
ثُمَّ قَارَنَ بِصِدْقٍ:
ـ أَنَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَا فَعَلْتُهُ وَأَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّتَهُ الْكَامِلَةَ، أَمَّا أَنْتَ فَلَا تَعْرِفُ بَعْدُ مَاذَا حَدَثَ فِي يَوْمِكَ.
ثُمَّ خَتَمَ بِحِكْمَةٍ بَدَتْ نَابِعَةً مِنْ تَجْرِبَةٍ مَرِيرَةٍ:
ـ الشَّكُّ الْمَهْوُوسُ بِذَنْبٍ غَيْرِ مُؤَكَّدٍ قَدْ يَكُونُ عِبْئاً ثَقِيلاً بِلَا دَاعٍ حَقِيقِيٍّ.
________________________________________
قَالَ سَامِرٌ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ:
ـ مَاذَا تَفْعَلُ الآنَ بَعْدَ كُلِّ هَذَا النَّدَمِ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ:
ـ هَلْ هُنَاكَ مَا يُمْكِنُكَ فِعْلُهُ لِتَعْوِيضِ مَا حَدَثَ؟
هَزَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِحُزْنٍ صَادِقٍ لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُخَفِّفَهُ:
ـ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعِيدَ مَا أَحْرَقْتُهُ.
ثُمَّ أَكَّدَ:
ـ هَذَا مُسْتَحِيلٌ تَمَاماً.
لَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ ذَلِكَ:
ـ لَكِنَّنِي، فِي الوَقْتِ الْمُتَبَقِّي لِي، أُحَاوِلُ أَنْ أَتَعَلَّمَ مَا تَبَقَّى مِنْ تِلْكَ الحَضَارَةِ الَّتِي لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا نَارُ جَهْلِي، أَنْ أُوَثِّقَ مَا تَبَقَّى مِنْهَا بِدِقَّةٍ وَاحْتِرَامٍ حَقِيقِيَّيْنِ لَا يَشُوبُهُمَا التَّعَالِي.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْءَ الَّذِي بَدَا لِسَامِرٍ أَكْثَرَ صِدْقاً مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَهُ:
ـ أَنْ أُحَارِبَ جَهْلِي بَدَلاً مِنْ أَنْ أَفْرِضَهُ عَلَى آخَرِينَ بِقُوَّةِ السُّلْطَةِ الَّتِي أَمْلِكُهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِتَعَاطُفٍ مُعَقَّدٍ حَقِيقِيٍّ؛ بَيْنَ الإِدَانَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَنْ يَرَى جَانِبَيْنِ لِنَفْسِ الحَقِيقَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
قَالَ أَخِيراً:
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّكَ سَتُغْفَرُ لَكَ يَوْماً؟
نَظَرَ الرَّجُلُ بَعِيداً إِلَى حَيْثُ لَا يَرَى سَامِرٌ شَيْئاً، وَفِي صَوْتِهِ حُزْنٌ عَمِيقٌ لَمْ يُصَنَّعْ:
ـ لَا أَعْرِفُ يَا سَامِرُ.
ثُمَّ أَكْمَلَ بِهُدُوءٍ رَزِينٍ:
ـ وَلَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الأَهَمُّ بِالنِّسْبَةِ لِي الآنَ.
ثُمَّ قَالَ مَا بَدَا لِسَامِرٍ أَعْمَقَ مَا سَمِعَهُ فِي هَذَا الفَصْلِ:
ـ السُّؤَالُ الأَهَمُّ هُوَ: هَلْ سَأَسْتَمِرُّ فِي مُحَاوَلَةِ فِعْلِ مَا هُوَ صَائِبٌ، بِقَدْرِ مَا أَسْتَطِيعُ، رَغْمَ مَعْرِفَتِي الْكَامِلَةِ أَنَّنِي لَنْ أَسْتَطِيعَ أَبَداً أَنْ أُصْلِحَ مَا كَسَرْتُهُ بِالْكَامَلِ؟
________________________________________
بَدَأَتِ الْقَاعَةُ الْمُظْلِمَةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ مِنْ حَوْلِ سَامِرٍ.
أَكْوَامُ الرَّمَادِ تَذُوبُ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ.
الرَّجُلُ الْكَاهِنُ يَبْتَعِدُ فِي ضَبَابِ الزَّمَنِ الَّذِي حَضَرَ مِنْهُ.
حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ الْمَعْتَادِ، شَاعِراً بِثِقَلٍ أَخْلَاقِيٍّ مُرَكَّبٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ مِنْ قَبْلُ بِهَذِهِ الشِّدَّةِ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ، صَامِتاً لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ:
ـ هَذِهِ الْقَاعَةُ مُعَقَّدَةٌ يَا سَامِرُ، لِأَنَّهَا لَا تُقَدِّمُ إِدَانَةً بَسِيطَةً وَلَا غُفْرَاناً سَهْلاً.
ثُمَّ أَضَافَ:
ـ هَذَا مَقْصُودٌ.
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، وَلَأَوَّلِ مَرَّةٍ شَعَرَ أَنَّهُ يَفْهَمُ لِمَاذَا تَكُونُ بَعْضُ الأَسْئِلَةِ أَثْمَنَ مِنَ الأَجْوِبَةِ.
قَالَ بِهُدُوءٍ:
ـ أَفْهَمُ لِمَاذَا.
________________________________________

Leave a Reply