لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ
مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ:
لَمْ أَكْتُبْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِأُخْبِرَ قُرَّاءَهَا بِحِكَايَةٍ وَقَعَتْ، بَلْ لِأَكْتَشِفَ، وَأَنَا أَكْتُبُ، حِكَايَةً كُنْتُ أَحْمِلُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ أَعْرِفَ كَيْفَ أُسَمِّيهَا.
كُلُّ سُورِيٍّ حَمَلَ حَقِيبَتَهُ يَوْمًا وَغَادَرَ، يَعْرِفُ هَذَا الشُّعُورَ جَيِّدًا:
(أَنَّ الْجَسَدَ يَعْبُرُ الْحُدُودَ بِسُرْعَةٍ، وَلَكِنَّ الصَّمْتَ الَّذِي وَرِثْنَاهُ مِنْ بِلَادٍ عَلَّمَتْنَا أَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يُكَلِّفُ الْكَثِيرَ، يُسَافِرُ مَعَنَا، وَيَسْتَوْطِنُ بُيُوتَنَا الْجَدِيدَةَ، حَتَّى فِي أَكْثَرِ الْأَمَاكِنِ أَمَانًا).
«لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ» هِيَ مُحَاوَلَتِي لِأَنْ أَفْهَمَ هَذَا الصَّمْتَ، لَا لِأُدِينَهُ، بَلْ لِأُصَالِحَ نَفْسِي وَقُرَّائِي مَعَ فِكْرَةٍ بَسِيطَةٍ وَصَعْبَةٍ فِي آنٍ:
(أَنَّ الصِّدْقَ، حَتَّى حِينَ يَتَأَخَّرُ عُقُودًا، يَبْقَى أَرْحَمَ مِنَ الصَّمْتِ الَّذِي يَتَرَاكَمُ حَتَّى يَخْنُقَ أَصْحَابَهُ).
سَامِرٌ لَيْسَ أَنَا أَوْ أَنْت تَمَامًا، وَلَيْسَ سِوَايَ وَلَا سِوَاك تَمَامًا. هُوَ، كَمَا كُلُّ شَخْصِيَّةٍ فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ، مِرْآةٌ صَنَعْتُهَا مِنْ تَجَارِبَ كَثِيرَةٍ رَأَيْتُهَا وَعِشْتُ بَعْضَهَا وَسَمِعْتُ بِبَعْضِهَا الْآخَرِ فِي مَجَالِسِ السُّورِيِّينَ فِي مَنَافِيهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ؛ عَلَى امْتِدَادِ هَذِهِ الْأَرْضِ.
وَلَيْلَى، وَنُورٌ، وَمَازِنٌ، وَخَالِدٌ، وَكُلُّ مَنْ عَبَرَ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ، لَيْسُوا أَشْخَاصًا بِعَيْنِهِمْ، بَلْ أَصْدَاءُ أَسْئِلَةٍ سَمِعْتُهَا مِرَارًا، بِلُغَاتٍ وَلَهَجَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فِي بُيُوتٍ سُورِيَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي أَلْمَانِيَا وَغَيْرِهَا.
اخْتَرْتُ أَنْ أَكْتُبَ هَذِهِ الطَّبْعَةَ بِالْفُصْحَى الْمُشَكَّلَةِ تَشْكِيلًا كَامِلًا، لَا تَكَلُّفًا، بَلْ حِرْصًا عَلَى أَلَّا يَلْتَبِسَ مَعْنًى عَلَى قَارِئٍ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِيَّةِ، وَحِرْصًا أَيْضًا عَلَى أَنْ تَبْقَى هَذِهِ اللُّغَةُ، بِكُلِّ ثِقَلِ تُرَاثِهَا وَجَمَالِ ضَبْطِهَا، بَيْتًا نَعُودُ إِلَيْهِ مَهْمَا تَبَاعَدَتْ بِنَا الدُّرُوبُ وَاللَّهَجَاتُ.
أُهْدِي هَذَا الْكِتَابَ إِلَى كُلِّ مَنْ حَمَلَ سُؤَالًا لَمْ يَجِدْ لَهُ مُسْتَمِعًا،
وَإِلَى كُلِّ بَيْتٍ سُورِيٍّ أُعِيدَ بِنَاؤُهُ فِي أَرْضٍ لَمْ يَخْتَرْهَا أَصْحَابُهُ فِي الْبِدَايَةِ، ثُمَّ تَعَلَّمُوا أَنْ يُحِبُّوهَا دُونَ أَنْ يَنْسَوْا الْأَرْضَ الْأُولَى.
وَأَخِيرًا، أَشْكُرُ كُلَّ قَارِئٍ سَيَحْمِلُ هَذَا الْكِتَابَ، لِأَنَّهُ، بِمُجَرَّدِ قِرَاءَتِهِ، يُصْبِحُ شَرِيكًا فِي قَوْلِ مَا لَمْ يُقَلْ لِأَحَدٍ، مِنْ قَبْلُ.
نُعْمَـــانُ الْبَرْبَـــرِيُّ
بَاكْنَانْـــغ، أَلْمَانِيَـــا
