قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ
وَصَلَتِ الْوَرَقَةُ إِلَى حَقِيبَةِ ابْنَةِ أَبِي خَالِدٍ الْوُسْطَى، سَارَةَ، ذَاتِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا:
دَعْوَةٌ لِرِحْلَةٍ مَدْرَسِيَّةٍ مُدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ إِلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى، تَتَضَمَّنُ مَبِيتًا فِي نُزُلٍ جَمَاعِيٍّ مَعَ بَقِيَّةِ الطَّالِبَاتِ وَالطُّلَّابِ، ضِمْنَ بَرْنَامَجِ تَبَادُلٍ ثَقَافِيٍّ بَيْنَ الْمَدَارِسِ.
كَانَتْ سَارَةُ قَدِ انْدَمَجَتْ فِي مَدْرَسَتِهَا الْجَدِيدَةِ بِسُرْعَةٍ لَافِتَةٍ، أَسْرَعَ بِكَثِيرٍ مِنْ وَالِدَيْهَا فِي انْدِمَاجِهِمَا الْخَاصِّ.
تَعَلَّمَتِ الْأَلْمَانِيَّةَ بِطَلَاقَةٍ نِسْبِيَّةٍ خِلَالَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، وَكَوَّنَتْ صَدَاقَاتٍ حَقِيقِيَّةً مَعَ زَمِيلَاتٍ أَلْمَانِيَّاتٍ وَأُخْرَيَاتٍ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ مُهَاجِرَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ.
كَانَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ، فِي نَظَرِهَا، فُرْصَةً نَادِرَةً لِتُثْبِتَ لِنَفْسِهَا وَلِزَمِيلَاتِهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ “طَالِبَةٍ لَاجِئَةٍ” تُعَامَلُ بِحَذَرٍ خَاصٍّ، بَلْ طَالِبَةً عَادِيَّةً تَمَامًا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَعِيشَ كُلَّ مَا تَعِيشُهُ صَدِيقَاتُهَا.
أَعْطَتْ سَارَةُ الْوَرَقَةَ لِوَالِدِهَا فِي الْمَسَاءِ، بِقَلْبٍ يَخْفِقُ قَلَقًا مِنْ رَدِّ فِعْلِهِ الْمُتَوَقَّعِ.
دَخَلَتِ الْغُرْفَةَ بِخُطًى مُتَرَدِّدَةٍ، تَحْمِلُ الْوَرَقَةَ بَيْنَ يَدَيْهَا كَأَنَّهَا تَحْمِلُ حُكْمًا قَدْ يُصْدَرُ بِحَقِّهَا، وَجَلَسَتْ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْغُرْفَةِ، تُرَاقِبُ وَجْهَ وَالِدِهَا وَهُوَ يَقْرَأُ، تُحَاوِلُ أَنْ تَتَنَبَّأَ بِرَدِّ فِعْلِهِ مِنْ أَدْنَى تَغَيُّرٍ فِي مَلَامِحِهِ.
قَرَأَ أَبُو خَالِدٍ الْوَرَقَةَ بِبُطْءٍ، وَسَأَلَ زَوْجَتَهُ لِتُتَرْجِمَ لَهُ بَعْضَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي لَمْ يَفْهَمْهَا بِوُضُوحٍ كَافٍ:
– مَاذَا يَعْنِي “مَبِيتٌ جَمَاعِيٌّ”؟
أَوْضَحَتْ أُمُّ خَالِدٍ، بِحَذَرٍ:
– يَعْنِي أَنَّ الطُّلَّابَ سَيَنَامُونَ فِي غُرَفٍ مُشْتَرَكَةٍ، مُنَظَّمَةٍ بِحَسَبِ الْجِنْسِ عَلَى الْأَرْجَحِ، لَكِنْ ضِمْنَ مَبْنًى وَاحِدٍ يَضُمُّ الْجَمِيعَ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ بِحَزْمٍ فَوْرِيٍّ:
– لَنْ تَذْهَبَ سَارَةُ. رِحْلَةٌ لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، مَبِيتٌ خَارِجَ الْبَيْتِ، مَعَ أَوْلَادٍ وَبَنَاتٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ؟ هَذَا غَيْرُ مَقْبُولٍ إِطْلَاقًا.
سَمِعَتْ سَارَةُ هَذَا الرَّفْضَ مِنْ غُرْفَتِهَا الْمُجَاوِرَةِ، وَدَخَلَتْ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَيْنَاهَا تَحْمِلَانِ دُمُوعًا مَكْبُوتَةً:
– أَبِي، أَرْجُوكَ. كُلُّ زَمِيلَاتِي سَيَذْهَبْنَ. سَأَكُونُ الْوَحِيدَةَ الَّتِي تَبْقَى، وَسَأَشْعُرُ بِالْخَجَلِ الشَّدِيدِ أَمَامَ الْجَمِيعِ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ، دُونَ أَنْ يَتَزَحْزَحَ عَنْ مَوْقِفِهِ:
– لَا يَهُمُّنِي مَا يَفْعَلُهُ الْآخَرُونَ. أَنَا مَسْؤُولٌ عَنْ حِمَايَتِكِ، وَلَنْ أَسْمَحَ لَكِ بِالْمَبِيتِ خَارِجَ الْبَيْتِ لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَعَ غُرَبَاءَ.
بَكَتْ سَارَةُ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، وَقَالَتْ:
– أَبِي، نَحْنُ فِي أَلْمَانِيَا الْآنَ. هَذِهِ رِحْلَاتٌ طَبِيعِيَّةٌ تَمَامًا هُنَا، تُنَظِّمُهَا الْمَدْرَسَةُ نَفْسُهَا، تَحْتَ إِشْرَافِ الْمُعَلِّمِينَ. لَنْ يَحْدُثَ لِي شَيْءٌ.
أَضَافَتْ سَارَةُ، بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ مِنَ الِانْفِعَالِ:
– أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّكَ مَا زِلْتَ تُعَامِلُنِي وَكَأَنَّنَا لَا نَزَالُ فِي قَرْيَتِنَا فِي رِيفِ دَيْرِ الزَّوْرِ، حَيْثُ كُلُّ شَيْءٍ يُرَاقَبُ وَكُلُّ خُطْوَةٍ تُحَاسَبُ. لَكِنَّنَا هُنَا، أَبِي. الْقَوَاعِدُ مُخْتَلِفَةٌ، وَالنَّاسُ مِنْ حَوْلِي يَثِقُونَ بِبَنَاتِهِمْ بِطَرِيقَةٍ لَا أَرَاهَا فِي بَيْتِنَا.
شَعَرَ أَبُو خَالِدٍ بِوَخْزَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُقَارَنَةِ الْمُبَاشِرَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَزَحْزَحْ بَعْدُ:
– الْقَوَاعِدُ قَدْ تَخْتَلِفُ مِنْ مَكَانٍ لِآخَرَ، لَكِنَّ قَلَقَ الْأَبِ عَلَى ابْنَتِهِ لَا يَخْتَلِفُ. هَذَا لَيْسَ أَمْرًا أَسْتَطِيعُ تَجَاوُزَهُ بِسُهُولَةٍ.
غَادَرَتْ سَارَةُ الْغُرْفَةَ بَاكِيَةً، وَبَقِيَ أَبُو خَالِدٍ صَامِتًا، يَشْعُرُ بِثِقْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ.
قَالَتْ لَهُ أُمُّ خَالِدٍ بِحَذَرٍ:
– أَبَا خَالِدٍ، أَتَذَكَّرُ حَدِيثَنَا مُنْذُ أَشْهُرٍ، حِينَ تَرَدَّدْتَ فِي السَّمَاحِ لِي بِحُضُورِ دَوْرَةِ اللُّغَةِ؟ ثُمَّ وَافَقْتَ أَخِيرًا، وَرَأَيْتَ كَيْفَ اسْتَفَدْتُ مِنْ هَذِهِ الْمُوَافَقَةِ. رُبَّمَا هَذَا الْمَوْقِفُ مُشَابِهٌ.
نَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو خَالِدٍ بِضِيقٍ وَاضِحٍ:
– هَذَا مُخْتَلِفٌ تَمَامًا. أَنْتِ امْرَأَةٌ بَالِغَةٌ، أَعْرِفُكِ وَأَثِقُ بِكِ. سَارَةُ طِفْلَةٌ، لَا تَزَالُ فِي الْخَامِسَةَ عَشَرَةَ.
قَالَتْ أُمُّ خَالِدٍ بِهُدُوءٍ:
– طِفْلَةٌ فِي الْخَامِسَةَ عَشَرَةَ سَتَكْبَرُ يَوْمًا، وَسَتَحْتَاجُ أَنْ تَثِقَ بِنَفْسِهَا وَبِقَرَارَاتِهَا. إِنْ مَنَعْنَاهَا مِنْ كُلِّ تَجْرِبَةٍ جَدِيدَةٍ بِذَرِيعَةِ الْحِمَايَةِ، كَيْفَ سَتَتَعَلَّمُ أَنْ تَثِقَ بِحُكْمِهَا الْخَاصِّ حِينَ تَكْبَرُ؟
فَكَّرَ أَبُو خَالِدٍ فِي هَذَا الْكَلَامِ، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ:
– أَخْشَى أَيْضًا شَيْئًا آخَرَ، لَمْ أَقُلْهُ بِصَرَاحَةٍ بَعْدُ: أَخْشَى أَنْ تَكْبَرَ سَارَةُ، وَتُصْبِحَ فَتَاةً لَا أَتَعَرَّفُ عَلَيْهَا، مُخْتَلِفَةً كُلِّيًّا عَنِ الْفَتَاةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا تَكْبُرُ فِي رِيفِ دَيْرِ الزَّوْرِ.
قَالَتْ أُمُّ خَالِدٍ بِحِكْمَةٍ:
– سَارَةُ سَتَتَغَيَّرُ، هَذَا حَتْمِيٌّ، سَوَاءٌ سَمَحْنَا لَهَا بِهَذِهِ الرِّحْلَةِ أَمْ لَا. الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ فِي مَنْعِ التَّغْيِيرِ، فَهَذَا مُسْتَحِيلٌ، بَلْ فِي أَنْ نَبْقَى قَرِيبِينَ مِنْهَا خِلَالَ هَذَا التَّغْيِيرِ، نُرَافِقُهَا بَدَلَ أَنْ نُحَاوِلَ إِيقَافَهَا بِالْقُوَّةِ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، طَلَبَ أَبُو خَالِدٍ لِقَاءً مَعَ مُدِيرَةِ الْمَدْرَسَةِ، لِيَفْهَمَ تَفَاصِيلَ الرِّحْلَةِ بِشَكْلٍ أَدَقَّ قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَ قَرَارَهُ النِّهَائِيَّ.
اسْتَقْبَلَتْهُ الْمُدِيرَةُ بِلُطْفٍ، وَشَرَحَتْ لَهُ بِالتَّفْصِيلِ، عَبْرَ مُتَرْجِمَةٍ:
– الرِّحْلَةُ مُنَظَّمَةٌ بِالْكَامِلِ تَحْتَ إِشْرَافِ أَرْبَعَةِ مُعَلِّمِينَ، اثْنَانِ مِنَ الذُّكُورِ وَاثْنَتانِ مِنَ الْإِنَاثِ. الْغُرَفُ مَفْصُولَةٌ تَمَامًا بِحَسَبِ الْجِنْسِ، وَلَا يُسْمَحُ بِأَيِّ اخْتِلَاطٍ دَاخِلَ غُرَفِ النَّوْمِ. الْبَرْنَامَجُ تَعْلِيمِيٌّ بِالْكَامِلِ: زِيَارَاتٌ لِمَتَاحِفَ وَمَوَاقِعَ تَارِيخِيَّةٍ، مَعَ بَعْضِ الْأَنْشِطَةِ التَّرْفِيهِيَّةِ الْمُنَظَّمَةِ مَسَاءً تَحْتَ إِشْرَافٍ مُبَاشِرٍ.
سَأَلَ أَبُو خَالِدٍ، بِقَلَقٍ لَا يَزَالُ وَاضِحًا:
– وَكَيْفَ تَضْمَنُونَ سَلَامَةَ الطَّالِبَاتِ، خَاصَّةً الْقَادِمَاتِ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ مُحَافِظَةٍ كَخَلْفِيَّتِنَا؟
أَجَابَتِ الْمُدِيرَةُ بِصَبْرٍ:
– نَتَفَهَّمُ تَمَامًا حَسَاسِيَّةَ بَعْضِ الْعَائِلَاتِ تُجَاهَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الرِّحْلَاتِ. يُمْكِنُنَا أَنْ نُرَتِّبَ مُكَالَمَةً يَوْمِيَّةً بَيْنَ سَارَةَ وَعَائِلَتِهَا خِلَالَ الرِّحْلَةِ، لِيَطْمَئِنَّ الْجَمِيعُ. كَمَا يُمْكِنُ لِأَحَدِ الْمُعَلِّمِينَ أَنْ يُرْسِلَ تَقْرِيرًا يَوْمِيًّا مُخْتَصَرًا عَنْ سَيْرِ الْبَرْنَامَجِ.
سَأَلَ أَبُو خَالِدٍ سُؤَالًا آخَرَ كَانَ يُقْلِقُهُ:
– هَلْ شَارَكَتْ عَائِلَاتٌ مُسْلِمَةٌ أُخْرَى بَنَاتِهَا فِي رِحْلَاتٍ مُمَاثِلَةٍ مِنْ قَبْلُ؟
أَجَابَتِ الْمُدِيرَةُ، وَهِيَ تَتَصَفَّحُ سِجِلَّاتِ الْمَدْرَسَةِ:
– نَعَمْ، عِدَّةُ عَائِلَاتٍ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ إِسْلَامِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، تُرْكِيَّةٍ وَعَرَبِيَّةٍ وَأَفْغَانِيَّةٍ، شَارَكَتْ بَنَاتِهَا فِي رِحْلَاتٍ مُشَابِهَةٍ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ. لَمْ نُوَاجِهْ أَيَّ مُشْكِلَةٍ تُذْكَرُ، بَلْ عَلَى الْعَكْسِ، لَاحَظْنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الطَّالِبَاتِ عُدْنَ أَكْثَرَ ثِقَةً وَانْدِمَاجًا بَعْدَ الرِّحْلَةِ.
شَعَرَ أَبُو خَالِدٍ بِبَعْضِ الِارْتِيَاحِ مِنْ هَذِهِ الضَّمَانَاتِ، لَكِنَّهُ لَا يَزَالُ يَشْعُرُ بِتَرَدُّدٍ عَمِيقٍ.
قَالَ، بِصِدْقٍ نَادِرٍ أَمَامَ الْمُدِيرَةِ:
– الْمُشْكِلَةُ، سَيِّدَتِي، لَيْسَتْ فَقَطْ فِي التَّفَاصِيلِ الْعَمَلِيَّةِ. الْمُشْكِلَةُ أَنَّنِي تَرَبَّيْتُ عَلَى أَنَّ حِمَايَةَ ابْنَتِي تَعْنِي إِبْقَاءَهَا قَرِيبَةً مِنِّي، تَحْتَ نَاظِرِي الْمُبَاشِرِ. هَذِهِ الرِّحْلَةُ تَتَطَلَّبُ مِنِّي ثِقَةً كَبِيرَةً، لَمْ أَعْتَدْ أَنْ أَمْنَحَهَا بِهَذِهِ السُّهُولَةِ.
اسْتَمَعَتِ الْمُدِيرَةُ بِتَفَهُّمٍ عَمِيقٍ، وَقَالَتْ:
– أَفْهَمُ تَمَامًا صُعُوبَةَ هَذَا الْقَرَارِ عَلَيْكَ. لَكِنِ اسْمَحْ لِي أَنْ أُشَارِكَ مَعَكَ مُلَاحَظَةً مِنْ خِبْرَتِي الطَّوِيلَةِ: الطُّلَّابُ الَّذِينَ يُمْنَعُونَ مِنْ هَذِهِ التَّجَارِبِ غَالِبًا مَا يَشْعُرُونَ بِالْعُزْلَةِ عَنْ زُمَلَائِهِمْ، وَيَجِدُونَ صُعُوبَةً أَكْبَرَ فِي الِانْدِمَاجِ الِاجْتِمَاعِيِّ لَاحِقًا. أَمَّا الَّذِينَ يُشَارِكُونَ، فَيَعُودُونَ عَادَةً بِثِقَةٍ أَكْبَرَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَشُعُورٍ أَعْمَقَ بِالِانْتِمَاءِ لِمُجْتَمَعِهِمُ الْمَدْرَسِيِّ.
عَادَ أَبُو خَالِدٍ إِلَى الْبَيْتِ، يُفَكِّرُ مَلِيًّا فِي كُلِّ مَا سَمِعَهُ. جَلَسَ فِي الْمَسَاءِ مَعَ سَارَةَ، وَحَاوَلَ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَهَا بِهُدُوءٍ أَكْبَرَ مِنَ الْمَرَّةِ السَّابِقَةِ.
قَالَ لَهَا:
– سَارَةُ، أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ مِنْكِ بِصَرَاحَةٍ: لِمَاذَا هَذِهِ الرِّحْلَةُ مُهِمَّةٌ لَكِ بِهَذَا الشَّكْلِ؟
فَكَّرَتْ سَارَةُ قَلِيلًا، ثُمَّ أَجَابَتْ بِصِدْقٍ:
– لِأَنَّنِي أَشْعُرُ، مُنْذُ وُصُولِنَا إِلَى هُنَا، أَنَّنِي دَائِمًا “الطَّالِبَةُ السُّورِيَّةُ الْجَدِيدَةُ”، الْمُخْتَلِفَةُ عَنِ الْبَقِيَّةِ. أُرِيدُ فُرْصَةً لِأَشْعُرَ أَنَّنِي جُزْءٌ حَقِيقِيٌّ مِنْ صَفِّي، لَا مُرَاقَبَةً مِنْ بَعِيدٍ فَقَطْ فِي كُلِّ نَشَاطٍ جَمَاعِيٍّ.
تَأَثَّرَ أَبُو خَالِدٍ بِهَذِهِ الْإِجَابَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ:
– لَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ أَنَّ الْأَمْرَ يَحْمِلُ هَذَا الْمَعْنَى الْعَمِيقَ بِالنِّسْبَةِ لَكِ.
أَضَافَتْ سَارَةُ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا بَعْدَ أَنْ شَعَرَتْ أَنَّ وَالِدَهَا بَدَأَ يَسْتَمِعُ فِعْلًا:
– أَبِي، أَعْرِفُ أَنَّكَ تَخَافُ عَلَيَّ، وَأُقَدِّرُ هَذَا الْخَوْفَ لِأَنَّهُ نَابِعٌ مِنْ حُبِّكَ. لَكِنَّنِي أَحْتَاجُ أَنْ أُثْبِتَ لِنَفْسِي، لَا لَكَ فَقَطْ، أَنَّنِي قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ أَكُونَ جُزْءًا مِنْ هَذَا الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ، لَا أَنْ أُرَاقِبَهُ دَائِمًا مِنْ مَسَافَةٍ آمِنَةٍ.
سَأَلَهَا أَبُو خَالِدٍ، بِفُضُولٍ صَادِقٍ:
– وَمَاذَا لَوِ اشْتَقْتِ إِلَيْنَا، أَوْ شَعَرْتِ بِعَدَمِ الِارْتِيَاحِ هُنَاكَ؟
أَجَابَتْ سَارَةُ بِثِقَةٍ:
– سَأَتَّصِلُ بِكُمْ فَوْرًا، وَسَأُخْبِرُ الْمُعَلِّمِينَ إِنِ احْتَجْتُ أَيَّةَ مُسَاعَدَةٍ. أَعِدُكَ أَنَّنِي لَنْ أُخْفِيَ عَنْكُمْ شَيْئًا يَهُمُّنِي.
بَعْدَ تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ، وَبَعْدَ اسْتِشَارَةِ الشَّيْخِ الَّذِي الْتَقَاهُ سَابِقًا فِي مُنَاسَبَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ لِلْعَائِلَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ الطَّوَائِفِ، نَفْسِهِ الَّذِي اسْتَشَارَهُ كِنَانُ بِخُصُوصِ ابْنَتِهِ، وَالَّذِي أَكَّدَ لَهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَمْنَعُ مِثْلَ هَذِهِ الرِّحْلَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ الْمُنَظَّمَةِ بِضَوَابِطَ وَاضِحَةٍ، قَرَّرَ أَبُو خَالِدٍ أَنْ يَمْنَحَ ابْنَتَهُ مُوَافَقَتَهُ، لَكِنْ بِشُرُوطٍ.
كَانَ اللِّقَاءُ مَعَ الشَّيْخِ قَدْ جَرَى فِي الْمَسْجِدِ الْمَحَلِّيِّ الصَّغِيرِ الَّذِي بَدَأَ أَبُو خَالِدٍ يَرْتَادُهُ مُنْذُ أَسَابِيعَ، بَعْدَ أَنْ تَعَرَّفَ عَلَيْهِ مِنْ خِلَالِ شَبَكَةٍ مِنَ الْمَعَارِفِ السُّورِيِّينَ الْجُدُدِ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ لِلشَّيْخِ، شَارِحًا مُعْضِلَتَهُ:
– أَخْشَى أَنْ يَكُونَ السَّمَاحُ لِابْنَتِي بِهَذِهِ الرِّحْلَةِ تَفْرِيطًا فِي مَسْؤُولِيَّتِي كَأَبٍ مُسْلِمٍ.
اسْتَمَعَ الشَّيْخُ بِصَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ:
– أَخِي الْكَرِيمُ، دِينُنَا يَحُثُّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، وَعَلَى تَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا لِيَكُونُوا أَعْضَاءً صَالِحِينَ وَمُنْتِجِينَ فِي مُجْتَمَعِهِمْ. طَالَمَا أَنَّ الضَّوَابِطَ الشَّرْعِيَّةَ الْأَسَاسِيَّةَ مَحْفُوظَةٌ، مِنْ فَصْلٍ فِي الْمَبِيتِ وَعَدَمِ اخْتِلَاطٍ مُحَرَّمٍ، فَلَا أَرَى مَانِعًا شَرْعِيًّا وَاضِحًا فِي مِثْلِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ.
سَأَلَهُ أَبُو خَالِدٍ، بِقَلَقٍ لَا يَزَالُ يُخَالِجُهُ:
– وَمَاذَا لَوْ تَأَثَّرَتِ ابْنَتِي بِقِيَمٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ قِيَمِنَا خِلَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ؟
قَالَ الشَّيْخُ بِحِكْمَةٍ:
– ابْنَتُكَ، إِنْ كَانَتْ مُؤَسَّسَةً تَرْبَوِيًّا عَلَى قِيَمٍ رَاسِخَةٍ فِي الْبَيْتِ، سَتَحْمِلُ هَذِهِ الْقِيَمَ مَعَهَا أَيْنَمَا ذَهَبَتْ، وَلَنْ تَذُوبَ فَجْأَةً بِسَبَبِ رِحْلَةٍ قَصِيرَةٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. أَمَّا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَسَّسَةٍ جَيِّدًا، فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الرِّحْلَةِ، بَلْ فِي التَّرْبِيَةِ الْمَنْزِلِيَّةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَحْتَاجُ تَعْزِيزًا، لَا فِي مَنْعِ كُلِّ احْتِكَاكٍ بِالْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ.
أَضَافَ الشَّيْخُ، بِابْتِسَامَةٍ مُطَمْئِنَةٍ:
– وَأُذَكِّرُكَ أَيْضًا، أَخِي الْكَرِيمُ، أَنَّ نَبِيَّنَا الْكَرِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَجَّعَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَلَوْ فِي الصِّينِ، أَيْ فِي أَبْعَدِ بِقَاعِ الْأَرْضِ عَنِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي زَمَانِهِ. هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَخَافُ مِنَ الِاحْتِكَاكِ بِالثَّقَافَاتِ الْأُخْرَى، بَلْ يُشَجِّعُ عَلَيْهِ، طَالَمَا بَقِيَ الْمُسْلِمُ مُتَمَسِّكًا بِجَوْهَرِ إِيمَانِهِ وَأَخْلَاقِهِ أَيْنَمَا ذَهَبَ.
شَعَرَ أَبُو خَالِدٍ بِارْتِيَاحٍ كَبِيرٍ لِهَذَا التَّوْضِيحِ، وَشَكَرَ الشَّيْخَ عَلَى وَقْتِهِ وَنَصِيحَتِهِ الْحَكِيمَةِ.
قَالَ لِسَارَةَ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ مَزِيجًا مِنَ التَّنَازُلِ وَالْحَزْمِ:
– سَأَسْمَحُ لَكِ بِالذَّهَابِ، بِشَرْطِ أَنْ نَتَّفِقَ عَلَى مُكَالَمَةٍ هَاتِفِيَّةٍ يَوْمِيَّةٍ، وَأَنْ تَلْتَزِمِي بِكُلِّ تَعْلِيمَاتِ الْمُعَلِّمِينَ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ.
أَشْرَقَ وَجْهُ سَارَةَ بِفَرَحٍ غَامِرٍ، وَعَانَقَتْ وَالِدَهَا بِحَرَارَةٍ:
– شُكْرًا لَكَ، أَبِي! أَعِدُكَ أَنَّنِي سَأَلْتَزِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
أَضَافَ أَبُو خَالِدٍ، وَهُوَ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ بَعْضَ الْقَلَقِ فِي صَوْتِهِ:
– وَشَرْطٌ أَخِيرٌ: إِنْ شَعَرْتِ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ بِعَدَمِ الِارْتِيَاحِ، أَوْ حَدَثَ أَيُّ شَيْءٍ يُزْعِجُكِ، اتَّصِلِي بِي فَوْرًا، وَلَنْ أَتَرَدَّدَ فِي الْمَجِيءِ لِأَخْذِكِ مَهْمَا كَانَتِ الْمَسَافَةُ.
قَالَتْ سَارَةُ، بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ:
– أَعِدُكَ، أَبِي. لَنْ أُخْفِيَ عَنْكَ شَيْئًا.
الْتَفَتَتْ سَارَةُ إِلَى أُمِّهَا، وَعَانَقَتْهَا أَيْضًا:
– شُكْرًا لَكِ أَيْضًا، أُمِّي. أَعْرِفُ أَنَّكِ مَنْ سَاعَدَتِ أَبِي عَلَى تَغْيِيرِ رَأْيِهِ.
ابْتَسَمَتْ أُمُّ خَالِدٍ، وَقَالَتْ:
– كُنْتُ فَقَطْ أُذَكِّرُهُ بِشَيْءٍ تَعَلَّمْنَاهُ مَعًا مُنْذُ وُصُولِنَا: أَنَّ الثِّقَةَ، حِينَ تُمْنَحُ بِحِكْمَةٍ، تُبْنَى بِهَا جُسُورٌ أَقْوَى مِنْ أَيِّ قَيْدٍ نَفْرِضُهُ بِدَافِعِ الْخَوْفِ وَحْدَهُ.
فِي يَوْمِ انْطِلَاقِ الرِّحْلَةِ، وَقَفَ أَبُو خَالِدٍ عِنْدَ بَابِ الْمَدْرَسَةِ، يُرَاقِبُ الْحَافِلَةَ وَهِيَ تَنْطَلِقُ، وَشَعَرَ بِمَزِيجٍ مُعَقَّدٍ مِنَ الْقَلَقِ وَالْفَخْرِ. اتَّصَلَتْ بِهِ سَارَةُ فِي الْمَسَاءِ، كَمَا اتُّفِقَ، وَأَخْبَرَتْهُ بِحَمَاسَةٍ عَنْ يَوْمِهَا: زِيَارَةُ مَتْحَفٍ تَارِيخِيٍّ، نِقَاشٌ جَمَاعِيٌّ مَعَ طُلَّابٍ أَلْمَانٍ عَنِ الثَّقَافَتَيْنِ، وَعَشَاءٌ جَمَاعِيٌّ ضَحِكَتْ فِيهِ كَثِيرًا مَعَ زَمِيلَاتِهَا.
فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، اتَّصَلَتْ سَارَةُ مُجَدَّدًا، وَأَخْبَرَتْ وَالِدَهَا بِتَفْصِيلٍ أَثَارَ إِعْجَابَهُ:
– أَبِي، طَلَبَتْ مِنَّا إِحْدَى الْمُعَلِّمَاتِ أَنْ نُقَدِّمَ عَرْضًا قَصِيرًا عَنْ ثَقَافَتِنَا الْأَصْلِيَّةِ أَمَامَ بَقِيَّةِ الطُّلَّابِ. تَحَدَّثْتُ عَنْ سُورِيَا، عَنْ رِيفِ دَيْرِ الزَّوْرِ، عَنْ عَادَاتِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَشَعَرْتُ بِفَخْرٍ حَقِيقِيٍّ وَأَنَا أَتَحَدَّثُ عَنْ هُوِيَّتِنَا أَمَامَ الْجَمِيعِ.
سَأَلَهَا أَبُو خَالِدٍ، مُتَأَثِّرًا:
– وَكَيْفَ كَانَ رَدُّ فِعْلِ زُمَلَائِكِ؟
أَجَابَتْ سَارَةُ بِحَمَاسَةٍ:
– أُعْجِبُوا كَثِيرًا! سَأَلُونِي أَسْئِلَةً كَثِيرَةً، وَشَعَرْتُ أَنَّنِي، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، لَسْتُ “الطَّالِبَةَ السُّورِيَّةَ الْغَرِيبَةَ”، بَلْ طَالِبَةً تَحْمِلُ قِصَّةً مُثِيرَةً لِلِاهْتِمَامِ يُرِيدُ الْجَمِيعُ مَعْرِفَةَ الْمَزِيدِ عَنْهَا.
شَعَرَ أَبُو خَالِدٍ بِدَمْعَةٍ تَكَادُ تُفْلِتُ مِنْ عَيْنَيْهِ مِنْ فَخْرِهِ بِابْنَتِهِ، وَقَالَ:
– أَنَا فَخُورٌ بِكِ جِدًّا، يَا سَارَةُ. أَظُنُّ أَنَّكِ عَلَّمْتِنِي الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ.
فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالْأَخِيرِ، اتَّصَلَتْ سَارَةُ لِتُوَدِّعَ وَالِدَيْهَا قَبْلَ رِحْلَةِ الْعَوْدَةِ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِالِامْتِنَانِ:
– شُكْرًا لَكُمَا، أَنْتُمَا الِاثْنَانِ، لِأَنَّكُمَا سَمَحْتُمَا لِي بِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ. أَشْعُرُ أَنَّنِي عُدْتُ شَخْصًا مُخْتَلِفًا قَلِيلًا، أَكْثَرَ ثِقَةً، أَكْثَرَ انْتِمَاءً لِهَذَا الْمَكَانِ الَّذِي أَصْبَحَ بَيْتِيَ الْجَدِيدَ.
بَعْدَ أَنْ أَنْهَى الْمُكَالَمَةَ، جَلَسَ أَبُو خَالِدٍ مَعَ زَوْجَتِهِ، وَقَالَ بِصِدْقٍ:
– أَظُنُّ أَنَّنِي بَدَأْتُ أَفْهَمُ شَيْئًا جَدِيدًا، يَا أُمَّ خَالِدٍ. الْحِمَايَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِأَوْلَادِنَا هُنَا لَيْسَتْ فِي إِبْقَائِهِمْ دَائِمًا تَحْتَ نَاظِرَيْنَا الْمُبَاشِرَيْنِ، بَلْ فِي تَجْهِيزِهِمْ بِالثِّقَةِ وَالْقِيَمِ الْكَافِيَةِ لِيُوَاجِهُوا الْعَالَمَ بِأَنْفُسِهِمْ، حَتَّى حِينَ لَا نَكُونُ مَوْجُودَيْنِ لِنُرَاقِبَ كُلَّ خُطْوَةٍ.
ابْتَسَمَتْ أُمُّ خَالِدٍ، وَقَالَتْ:
– هَذَا أَجْمَلُ دَرْسٍ تَعَلَّمْنَاهُ مَعًا مُنْذُ وُصُولِنَا إِلَى هُنَا، يَا أَبَا خَالِدٍ.
أَضَافَ أَبُو خَالِدٍ، بِابْتِسَامَةٍ نَادِرَةٍ تَحْمِلُ تَسْلِيمًا هَادِئًا:
– وَأَظُنُّ أَنَّ ابْنَتَنَا الصُّغْرَى سَتَطْلُبُ رِحْلَةً مُمَاثِلَةً بَعْدَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ. رُبَّمَا حِينَهَا لَنْ أَحْتَاجَ كُلَّ هَذَا التَّرَدُّدِ وَالْقَلَقِ، فَقَدْ تَعَلَّمْتُ اللَّيْلَةَ دَرْسًا سَأَحْمِلُهُ مَعِي لِبَقِيَّةِ رِحْلَتِنَا هُنَا.
بَعْدَ عَوْدَةِ سَارَةَ مِنَ الرِّحْلَةِ، جَلَسَتْ مَعَ أُخْتِهَا الصُّغْرَى، رِيمَا، ذَاتِ الِاثْنَيْ عَشَرَ عَامًا، تَرْوِي لَهَا بِحَمَاسَةٍ كُلَّ تَفَاصِيلِ الرِّحْلَةِ
.قَالَتْ رِيمَا، بِعَيْنَيْنِ مُتَلَأْلِئَتَيْنِ بِالْإِعْجَابِ:
– هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ أَبِي سَيَسْمَحُ لِي بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ حِينَ أَكْبَرُ؟
ابْتَسَمَتْ سَارَةُ، وَقَالَتْ بِثِقَةٍ:
– أَظُنُّ ذَلِكَ، خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ رَأَى كَيْفَ عَادَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ بِالْفَائِدَةِ عَلَيَّ. لَكِنْ تَذَكَّرِي، يَا رِيمَا: الثِّقَةُ تُبْنَى بِالصِّدْقِ الْمُسْتَمِرِّ، لَا بِمُجَرَّدِ طَلَبِ الْإِذْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً. حَافِظِي عَلَى صِدْقِكِ مَعَ أَبِي وَأُمِّي فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَسَتَجِدِينَ أَنَّهُمَا يَمْنَحَانِكِ مَسَاحَةً أَكْبَرَ مَعَ الْوَقْتِ.
اسْتَمَعَتْ رِيمَا بِانْتِبَاهٍ، وَقَالَتْ:
– أَظُنُّ أَنَّنِي تَعَلَّمْتُ الْيَوْمَ مِنْ قِصَّتِكِ دَرْسًا أَهَمَّ مِنْ أَيِّ دَرْسٍ مَدْرَسِيٍّ.
ضَحِكَتْ سَارَةُ، وَاحْتَضَنَتْ أُخْتَهَا الصُّغْرَى بِحَنَانٍ، شَاعِرَةً أَنَّهَا، دُونَ أَنْ تُخَطِّطَ لِذَلِكَ، أَصْبَحَتْ نَمُوذَجًا تَحْتَذِي بِهِ أُخْتُهَا فِي رِحْلَةِ التَّفَاوُضِ الْمُسْتَمِرَّةِ بَيْنَ جِيلِ الْآبَاءِ وَجِيلِ الْأَبْنَاءِ، تِلْكَ الرِّحْلَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ مَلَامِحُهَا تَدْرِيجِيًّا فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْعَائِلَاتِ السُّورِيَّةِ الَّتِي حَطَّتْ رِحَالَهَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الْجَدِيدَةِ.
