قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 28

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ
بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ مِنْ تِلْكَ الْمُوَاجَهَةِ الْأُولَى مَعَ كَلَاوْدِيَا حَوْلَ تَوْقِيعِ اسْتِمَارَةِ تَعْلِيمِ اللُّغَةِ، وَقَفَ أَبُو خَالِدٍ فِي قَاعَةٍ كَبِيرَةٍ بِجَامِعَةِ الْمَدِينَةِ، يُشَاهِدُ ابْنَتَهُ سَارَةَ تَتَخَرَّجُ بِامْتِيَازٍ فِي تَخَصُّصِ الصَّيْدَلَةِ، التَّخَصُّصِ نَفْسِهِ الَّذِي كَانَتْ أُمُّ خَالِدٍ قَدْ شَجَّعَتْهَا عَلَى مُتَابَعَتِهِ بَعْدَ أَنِ اسْتَعَادَتْ هِيَ نَفْسُهَا ثِقَتَهَا بِتَعَلُّمِ اللُّغَةِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ.
تَذَكَّرَ أَبُو خَالِدٍ، وَهُوَ يَجْلِسُ فِي الْقَاعَةِ الْمُزْدَحِمَةِ بِأَهَالِي الْخِرِّيجِينَ مِنْ جِنْسِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، ذَلِكَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ حِينَ وَقَفَ عِنْدَ نَافِذَةِ غُرْفَتِهِ يُرَاقِبُ زَوْجَتَهُ تَعْبُرُ الْحَدِيقَةَ نَحْوَ أَوَّلِ دَرْسِ لُغَةٍ لَهَا، خَائِفًا مِنْ كُلِّ مَا هُوَ جَدِيدٌ. بَدَا لَهُ الْآنَ ذَلِكَ الْخَوْفُ بَعِيدًا جِدًّا، وَكَأَنَّهُ يَنْتَمِي إِلَى حَيَاةٍ أُخْرَى عَاشَهَا رَجُلٌ آخَرُ.
جَلَسَ أَبُو خَالِدٍ بِجِوَارِ زَوْجَتِهِ، الَّتِي أَصْبَحَتِ الْآنَ تَعْمَلُ بِدَوَامٍ جُزْئِيٍّ كَمُسَاعِدَةٍ فِي عِيَادَةٍ طِبِّيَّةٍ، مُسْتَخْدِمَةً الْأَلْمَانِيَّةَ الَّتِي تَعَلَّمَتْهَا بِصُعُوبَةٍ فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ الْأُولَى الصَّعْبَةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِفَخْرٍ لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ:
– مَنْ كَانَ يَظُنُّ، يَا أُمَّ خَالِدٍ، أَنَّنَا سَنَجْلِسُ هُنَا يَوْمًا، نُشَاهِدُ ابْنَتَنَا تَتَخَرَّجُ مِنَ الْجَامِعَةِ؟
ابْتَسَمَتْ أُمُّ خَالِدٍ، وَدُمُوعُ الْفَرَحِ تَكَادُ تُفْلِتُ مِنْ عَيْنَيْهَا:
– لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ هَذَا يَوْمًا، بِصَرَاحَةٍ. لَكِنَّنِي أَيْضًا لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ أَنَّنِي سَأَقِفُ يَوْمًا وَأَنَا أَتَحَدَّثُ الْأَلْمَانِيَّةَ بِثِقَةٍ أَمَامَ مَرْضَى فِي عِيَادَةٍ، فَكُلُّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ تَخَيُّلَاتِنَا الْأُولَى، خَيْرًا كَانَ أَمْ صُعُوبَةً.
———————
بَعْدَ الْحَفْلِ، اجْتَمَعَتِ الْعَائِلَةُ كُلُّهَا لِلِاحْتِفَالِ فِي مَطْعَمٍ صَغِيرٍ، وَتَذَكَّرَ أَبُو خَالِدٍ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ أَمَامَ أَبْنَائِهِ الْأَرْبَعَةِ تِلْكَ الْأَيَّامَ الْأُولَى الصَّعْبَةَ:
– أَتَذْكُرُونَ حِينَ رَفَضْتُ فِي الْبِدَايَةِ أَنْ تُوَقِّعَ أُمُّكُمْ عَلَى اسْتِمَارَةِ تَعْلِيمِ اللُّغَةِ؟ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي أَحْمِيهَا بِذَلِكَ الْقَرَارِ. الْآنَ أُدْرِكُ أَنَّنِي كُنْتُ أَحَدَ أَكْبَرِ الْعَوَائِقِ فِي طَرِيقِ نَجَاحِهَا.
قَالَتْ أُمُّ خَالِدٍ، بِحَنَانٍ يُخَفِّفُ مِنْ قَسْوَةِ هَذَا الِاعْتِرَافِ:
– لَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ، يَا أَبَا خَالِدٍ. هَذَا أَهَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ.
———————
سَأَلَ ابْنُهُمَا الْأَصْغَرُ، الَّذِي أَصْبَحَ الْآنَ مُرَاهِقًا فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ، سُؤَالًا لَمْ يَكُنْ يَجْرُؤُ عَلَى طَرْحِهِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ:
– أَبِي، هَلْ تَنْدَمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ رِحْلَتِنَا هُنَا؟
فَكَّرَ أَبُو خَالِدٍ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ نَادِرٍ:
– أَنْدَمُ عَلَى تَرَدُّدَاتِي الْأُولَى، عَلَى الْمَرَّاتِ الَّتِي وَقَفْتُ فِيهَا عَائِقًا أَمَامَ تَقَدُّمِ عَائِلَتِي بَدَلَ أَنْ أَكُونَ دَاعِمًا لَهَا. لَكِنَّنِي لَا أَنْدَمُ عَلَى تَمَسُّكِي بِبَعْضِ قِيَمِنَا الْأَسَاسِيَّةِ، فَقَدْ سَاعَدَنِي هَذَا التَّمَسُّكُ عَلَى أَنْ أَبْقَى نَفْسِي وَسْطَ كُلِّ هَذَا التَّغْيِيرِ، لَا أَنْ أَذُوبَ فِيهِ كُلِّيًّا.
سَأَلَ الِابْنُ، بِفُضُولٍ مُتَزَايِدٍ:
– وَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ أَخَوَاتِي سَيَكْبَرْنَ بَعِيدَاتٍ عَنْ قِيَمِنَا الْأَصْلِيَّةِ بِسَبَبِ حُرِّيَّتِهِنَّ الْكَبِيرَةِ هُنَا؟
ابْتَسَمَ أَبُو خَالِدٍ، مُتَذَكِّرًا كُلَّ الطَّرِيقِ الَّذِي قَطَعَهُ فِي فَهْمِهِ لِهَذَا السُّؤَالِ بِالذَّاتِ:
– كُنْتُ أَخْشَى هَذَا كَثِيرًا فِي الْبِدَايَةِ، يَا بُنَيَّ. لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْقِيَمَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تُفْرَضُ بِالْقُوَّةِ، بَلْ تُغْرَسُ بِالْمِثَالِ وَالْحُبِّ. أَخَوَاتُكَ يَحْمِلْنَ قِيَمَنَا فِي دَاخِلِهِنَّ، حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَ شَكْلُ حَيَاتِهِنَّ الْخَارِجِيِّ عَنْ شَكْلِ حَيَاةِ جَدَّاتِهِنَّ فِي دَيْرِ الزَّوْرِ.
———————
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، زَارَ أَبُو خَالِدٍ، بِدَعْوَةٍ مِنْ سَارَةَ، مَكْتَبَ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ، الَّذِي كَانَ قَدِ الْتَقَاهُ جُورْجُ مِنْ قَبْلُ، بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ أَبُو خَالِدٍ نَفْسُهُ مِنْ رُوَّادِ اللِّقَاءَاتِ الدِّينِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ الَّتِي بَدَأَ يَحْضُرُهَا مُنْذُ عَامَيْنِ، بَحْثًا عَنْ فَهْمٍ أَعْمَقَ لِتَوَازُنٍ جَدِيدٍ بَيْنَ تَقَالِيدِهِ وَحَيَاتِهِ الْجَدِيدَةِ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ لِلشَّيْخِ، بِصِدْقٍ:
– أَشْعُرُ أَنَّنِي رَجُلٌ مُخْتَلِفٌ تَمَامًا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي وَصَلَ إِلَى هُنَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ. أَخْشَى أَحْيَانًا أَنْ أَكُونَ قَدْ فَقَدْتُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ نَفْسِي الْقَدِيمَةِ فِي سَبِيلِ هَذَا التَّغْيِيرِ.
قَالَ الشَّيْخُ بِحِكْمَةٍ:
– يَا أَبَا خَالِدٍ، السُّؤَالُ لَيْسَ هَلْ تَغَيَّرْتَ، فَالتَّغْيِيرُ حَتْمِيٌّ لِكُلِّ مَنْ يَعِيشُ تَجْرِبَةً كَهَذِهِ. السُّؤَالُ هُوَ: هَلْ مَا زِلْتَ تَعْرِفُ قِيَمَكَ الْأَسَاسِيَّةَ، حَتَّى لَوْ تَغَيَّرَ شَكْلُ تَطْبِيقِهَا؟ إِنْ كَانَ جَوَابُكَ نَعَمْ، فَأَنْتَ لَمْ تَفْقِدْ نَفْسَكَ، بَلْ نَمَوْتَ.
سَأَلَهُ أَبُو خَالِدٍ، بِفُضُولٍ صَادِقٍ:
– وَكَيْفَ أَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّغْيِيرِ الصِّحِّيِّ وَالذَّوَبَانِ الْكَامِلِ؟
أَجَابَ الشَّيْخُ:
– التَّغْيِيرُ الصِّحِّيُّ يَجْعَلُكَ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى الْحُبِّ وَالْعَطَاءِ لِمَنْ حَوْلَكَ. الذَّوَبَانُ الْكَامِلُ يَجْعَلُكَ تَفْقِدُ الْإِحْسَاسَ بِمَنْ كُنْتَ أَصْلًا، حَتَّى تُجَاهَ نَفْسِكَ. مِنْ مُلَاحَظَتِي لَكَ الْيَوْمَ، يَا أَبَا خَالِدٍ، أَظُنُّكَ أَقْرَبَ إِلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ بِكَثِيرٍ.
———————
بَعْدَ أَشْهُرٍ، وَأَثْنَاءَ زِيَارَةٍ قَصِيرَةٍ لِعَائِلَةِ كِنَانَ وَرِيمَا بِمُنَاسَبَةِ عِيدٍ دِينِيٍّ مُشْتَرَكٍ، جَلَسَ أَبُو خَالِدٍ وَكِنَانُ مَعًا، وَتَبَادَلَا قِصَّتَيْهِمَا الْمُتَشَابِهَتَيْنِ عَلَى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلَافِ خَلْفِيَّتَيْهِمَا الدِّينِيَّتَيْنِ.
قَالَ كِنَانُ، بِابْتِسَامَةِ تَفَهُّمٍ:
– يَبْدُو أَنَّنَا كِلَانَا مَرَرْنَا بِالرِّحْلَةِ نَفْسِهَا تَقْرِيبًا: مِنَ التَّمَسُّكِ الصَّارِمِ بِكُلِّ تَفْصِيلٍ قَدِيمٍ، إِلَى إِيجَادِ تَوَازُنٍ جَدِيدٍ يَحْتَرِمُ الْجَوْهَرَ دُونَ التَّجَمُّدِ عَلَى الشَّكْلِ.
أَجَابَ أَبُو خَالِدٍ بِإِعْجَابٍ:
– أَظُنُّ أَنَّ هَذَا قَدَرُ كُلِّ مَنْ هَاجَرَ مِنْ جِيلِنَا، يَا كِنَانُ. إِمَّا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَذَا التَّوَازُنَ، أَوْ نَخْسَرَ إِمَّا أَنْفُسَنَا الْقَدِيمَةَ أَوْ أَبْنَاءَنَا الْجُدُدَ.
أَضَافَ أَبُو خَالِدٍ، بِصِدْقٍ:
– أَتَعْرِفُ، أَكْثَرُ مَا أَدْهَشَنِي فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ هُوَ أَنَّ رِجَالًا مِثْلَكَ، مِنْ خَلْفِيَّةٍ دِينِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنْ خَلْفِيَّتِي، يَفْهَمُونَ بِالضَّبْطِ مَا أَشْعُرُ بِهِ. رُبَّمَا هَذَا أَيْضًا دَرْسٌ تَعَلَّمْتُهُ هُنَا: أَنَّ التَّجْرِبَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ لِلتَّغْيِيرِ تَتَشَابَهُ أَكْثَرَ مِمَّا تَخْتَلِفُ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الدِّينِ أَوِ الطَّائِفَةِ.
———————
فِي الْمَسَاءِ، جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ كَامِلَةً حَوْلَ طَاوِلَةِ الْعَشَاءِ، أَبُو خَالِدٍ وَأُمُّ خَالِدٍ وَأَبْنَاؤُهُمَا الْأَرْبَعَةُ، وَتَحَدَّثُوا عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ: سَارَةُ الَّتِي بَدَأَتْ تُخَطِّطُ لِفَتْحِ صَيْدَلِيَّةٍ خَاصَّةٍ بِهَا، الِابْنُ الثَّانِي الَّذِي اخْتَارَ دِرَاسَةَ الْهَنْدَسَةِ، وَالِابْنَةُ الصُّغْرَى الَّتِي أَصْبَحَتِ الْآنَ تَتَحَدَّثُ الْأَلْمَانِيَّةَ بِطَلَاقَةٍ أَكْبَرَ مِنْ وَالِدَيْهَا، وَالِابْنُ الْأَصْغَرُ الَّذِي بَدَأَ يُفَكِّرُ جِدِّيًّا فِي مُسْتَقْبَلِهِ الْأَكَادِيمِيِّ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ رِضًا نَادِرًا:
– أَظُنُّ أَنَّنَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الصُّعُوبَاتِ، بَنَيْنَا شَيْئًا حَقِيقِيًّا هُنَا. لَيْسَتِ النُّسْخَةَ نَفْسَهَا مِنَ الْحَيَاةِ الَّتِي عَرَفْنَاهَا فِي دَيْرِ الزَّوْرِ، لَكِنَّهَا حَيَاةٌ تَسْتَحِقُّ الْفَخْرَ بِهَا بِطَرِيقَتِهَا الْخَاصَّةِ.
ابْتَسَمَتْ أُمُّ خَالِدٍ، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِ زَوْجِهَا تَحْتَ الطَّاوِلَةِ:
– وَأَنَا فَخُورَةٌ بِكَ أَيْضًا، يَا أَبَا خَالِدٍ. الرَّجُلُ الَّذِي رَفَضَ تَوْقِيعَ وَرَقَةٍ صَغِيرَةٍ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، أَصْبَحَ الْيَوْمَ أَبًا يُشَجِّعُ بَنَاتِهِ عَلَى أَحْلَامِهِنَّ دُونَ قَيْدٍ.
نَظَرَ أَبُو خَالِدٍ إِلَى أَبْنَائِهِ الْأَرْبَعَةِ حَوْلَهُ، وَقَالَ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ بَصِيرَةً اكْتَسَبَهَا بِصُعُوبَةٍ عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ:
– اذْهَبُوا، ابْنُوا حَيَاتَكُمْ كَمَا تُرِيدُونَ. سَأَكُونُ دَائِمًا هُنَا، أَدْعَمُكُمْ، حَتَّى لَوِ اخْتَرْتُمْ طُرُقًا لَمْ أُفَكِّرْ فِيهَا يَوْمًا بِنَفْسِي. هَذَا أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ أُقَدِّمَهُ بَعْدَ كُلِّ الدُّرُوسِ الَّتِي عَلَّمْتُمُونِي إِيَّاهَا أَنْتُمْ، لَا أَنَا مَنْ عَلَّمْتُهَا لَكُمْ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 29


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 27