الِابْنُ الْغَرِيبُ
غَرِيبٌ بَينَ أَهْلِهِ
مُقَدِّمَةٌ
لَيْسَتْ كُلُّ غُرْبَةِ تَبْدَأُ عِنْدَ مُغَادَرَةِ حُدُودِ الوَطَنْ.
فَثَمَّةَ غُرْبَةٌ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنْ تِلْكَ الَّتِي يَرْسُمُهَا خَطُّ حَدٍّ عَلَى خَرِيطَةٍ، غُرْبَةٌ لَا تَسْتَدْعِي سَفَرًا، وَلَا تَسْتَوْجِبُ لُغَةً جَدِيدَةً، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى وَطَنٍ آخَرَ نَنْزِحُ إِلَيْهِ.
غُرْبَةٌ قَدْ تَنْبُتُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي شَهِدَ أَوَّلَ صُرَاخِنَا، بَيْنَ وُجُوهٍ لَا نَعْرِفُ الْعَالَمَ إِلَّا مِنْ خِلَالِهَا، وَبَيْنَ أَسْمَاءٍ حَفِظَتْهَا أَلْسِنَتُنَا قَبْلَ أَنْ تَعِيَهَا عُقُولُنَا.
قَدْ يَجْلِسُ الْمَرْءُ إِلَى مَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ أَهْلِهِ، يَقْتَسِمُ مَعَهُمُ الْخُبْزَ وَالذِّكْرَيَاتِ وَالْأَعْيَادَ وَالْأَحْزَانَ، ثُمَّ يَكْتَشِفُ، بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنَ الْأُلْفَةِ الظَّاهِرَةِ، أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَفْتَقِدُهُ بَيْنَهُمْ لَيْسَ الطَّعَامَ، وَلَا الْأَمَانَ، وَلَا سَقْفًا يُظِلُّهُ، بَلْ أَنْ يَجِدَ مَنْ يُصْغِي إِلَيْهِ حَقًّا.
هَذِهِ لَيْسَتْ رِوَايَةً عَنْ عَائِلَةٍ سَيِّئَةٍ، وَلَا عَنْ أَبٍ ظَالِمٍ، وَلَا عَنِ ابْنٍ مُتَمَرِّدٍ.
إِنَّهَا رِوَايَةٌ عَنِ الْبَشَرِ.
عَنْ أُنَاسٍ أَحَبَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حُبًّا صَادِقًا، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا دَائِمًا كَيْفَ يَمْنَحُونَ ذَلِكَ الْحُبَّ لُغَةً تُشْبِهُهُ.
عَنْ آبَاءٍ ظَنُّوا أَنَّ خَوْفَهُمْ عَلَى أَبْنَائِهِمْ يَمْنَحُهُمْ حَقَّ اخْتِيَارِ الطَّرِيقِ نِيَابَةً عَنْهُمْ.
وَعَنْ أَبْنَاءٍ حَسِبُوا أَنَّ كُلَّ اخْتِلَافٍ لَا بُدَّ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى قَطِيعَةٍ.
وَعَنْ مُجْتَمَعٍ وَرِثَ كَثِيرًا مِنَ الْأَجْوِبَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَصُوغُ أَسْئِلَتَهُ.
فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ لَنْ يَكُونَ أَحَدٌ بَرِيئًا بَرَاءَةً تَامَّةً، وَلَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مُذْنِبًا إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَةِ الْمُطْلَقَةِ أَيْضًا؛ فَالْإِنْسَانُ أَكْبَرُ مِنْ أَسْوَإِ أَخْطَائِهِ، كَمَا أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَجْمَلِ لَحَظَاتِهِ.
وَمَا نَرِثُهُ عَنْ عَائِلَاتِنَا لَيْسَ الْأَسْمَاءَ وَالْمَلَامِحَ وَحْدَهَا، بَلْ طَرَائِقَ التَّفْكِيرِ أَيْضًا، وَمَخَاوِفَ الْأَجْيَالِ الْمُتَرَاكِمَةَ، وَصُوَرَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ الَّتِي رُسِمَتْ لَنَا قَبْلَ أَنْ نَخْتَارَهَا، وَمَعَانِيَ الطَّاعَةِ وَالْحُرِّيَّةِ، وَمَا يَجُوزُ السُّؤَالُ عَنْهُ، وَمَا يُحَرَّمُ حَتَّى مُجَرَّدُ التَّفْكِيرِ فِيهِ.
وَلَعَلَّ أَكْثَرَ مَا يُرْهِقُ الْإِنْسَانَ لَيْسَ أَنْ يَخْتَلِفَ مَعَ أَهْلِهِ، بَلْ أَنْ يَكْتَشِفَ، فِي لَحْظَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ الْعُمْرِ، أَنَّ اللُّغَةَ الَّتِي تَعَلَّمَهَا مَعَهُمْ لَمْ تَعُدْ كَافِيَةً لِلتَّعْبِيرِ عَمَّا صَارَ يُؤْمِنُ بِهِ.
هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تَبْحَثُ عَنْ مُنْتَصِرٍ.
لَا تُرِيدُ أَنْ تُدِينَ جِيلًا لِمَصْلَحَةِ جِيلٍ آخَرَ، وَلَا أَنْ تَسْتَبْدِلَ سُلْطَةً بِسُلْطَةٍ، أَوْ يَقِينًا بِيَقِينٍ.
إِنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ أَمْرٍ أَكْثَرَ تَوَاضُعًا، وَأَشَدَّ صُعُوبَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ:
(أَنْ يَتَعَلَّمَ النَّاسُ كَيْفَ يَعِيشُونَ اخْتِلَافَهُمْ دُونَ أَنْ يَخْسَرُوا إِنْسَانِيَّتَهُمْ).
قِيلَ كَثِيرًا إِنَّ الْبُيُوتَ تُبْنَى بِالْحِجَارَةِ.
غَيْرَ أَنَّ التَّجْرِبَةَ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْبُيُوتَ الْحَقِيقِيَّةَ تُبْنَى بِالْإِصْغَاءِ، وَأَنَّ أَشَدَّ الْجُدْرَانِ ارْتِفَاعًا لَيْسَتِ الْجُدْرَانَ الْمَصْنُوعَةَ مِنَ الْإِسْمَنْتِ، بَلْ تِلْكَ الَّتِي تُشَيَّدُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُسْبَقَةِ، وَالْخَوْفِ، وَسُوءِ الْفَهْمِ.
رُبَّمَا يَجِدُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَلَامِحَ مِنْ بُيُوتِهِمْ، وَرُبَّمَا يَجِدُ آخَرُونَ شَيْئًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَرُبَّمَا يَكْتَشِفُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي بَدَا لَهُ يَوْمًا خَصْمًا، لَمْ يَكُنْ سِوَى إِنْسَانٍ يُحَاوِلُ، بِطَرِيقَتِهِ الْخَاصَّةِ الْمَشُوبَةِ بِالْقُصُورِ، أَنْ يَحْمِيَ مَا يُحِبُّ.
أَمَّا إِنِ انْتَهَى الْقَارِئُ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ وَهُوَ أَقَلُّ يَقِينًا بِأَحْكَامِهِ، وَأَكْثَرُ قُدْرَةً عَلَى الْإِصْغَاءِ، وَأَرْحَبُ صَدْرًا تِجَاهَ مَنْ يُخَالِفُهُ، فَرُبَّمَا تَكُونُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَدْ بَلَغَتْ غَايَتَهَا.
لِأَنَّ أَعْظَمَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لِلْعَائِلَةِ، وَلِلْمُجْتَمَعِ، وَلِلْإِنْسَانِ ذَاتِهِ، لَيْسَ أَنْ يَخْتَفِيَ الِاخْتِلَافُ…
بَلْ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَجْعَلُ مِنْهُ بِدَايَةً لِلْفَهْمِ، لَا سَبَبًا لِلْغُرْبَةِ.
بَدَأْتُ كِتَابَةَ مُسَوَّدَةٍ لِهَذَا الْعَمَلِ فِي صَيْفِ عَامِ 2008 فِي مَدِينَةِ حِمْصَ وَأَتْمَمْتُهَا فِيمَا بَعْدُ فِي بَيْتِي فِي مَدِينَةِ دُوْمَا؛ وَقُمْتُ بِإِعَادَةِ صِيَاغَتِهَا بِأُسْلُوبٍ جَدِيدٍ بِالْكَامِلِ خِلَالَ تَوَاجُدِي فِي أَلْمَانِيَا.
نعمان البربري
