قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ
أَكْتُبُ هَذَا فِي دَفْتَرِيَ الصَّغِيرِ، بَعْدَ أَنْ نَامَ الْجَمِيعُ، كَمَا اعْتَدْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ الْأُولَى فِي هَذَا الْبَلَدِ. لَكِنَّنِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَا أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ عَنِ الْخَوْفِ، وَلَا عَنِ التَّرَدُّدِ، وَلَا عَنْ أَيٍّ مِنَ الْأَشْبَاحِ الَّتِي اعْتَدْتُ اسْتِحْضَارَهَا فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ. ثَمَّةَ شَيْءٌ آخَرُ يَشْغَلُنِي اللَّيْلَةَ، شَيْءٌ أَغْرَبُ وَأَكْثَرُ مُرَاوَغَةً: الذَّاكِرَةُ نَفْسُهَا، وَعَلَاقَتِي الْمُلْتَبِسَةُ بِهَا، وَكَيْفَ بَدَأَتِ الْكِتَابَةُ، الَّتِي كُنْتُ أَظُنُّهَا حِفْظًا أَمِينًا لِلْمَاضِي، تَتَحَوَّلُ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى شَيْءٍ آخَرَ لَا أَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ أُسَمِّيهِ بِدِقَّةٍ.لَاحَظْتُ الْأَمْرَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَسَابِيعَ، حِينَ كُنْتُ أَكْتُبُ فَصْلًا عَنْ بَيْتِنَا الْقَدِيمِ فِي حَيِّ الْمُهَاجِرِينَ بِدِمَشْقَ. حَاوَلْتُ أَنْ أَسْتَحْضِرَ رَائِحَةَ الْيَاسَمِينِ الَّتِي كَانَتْ تَتَسَلَّقُ جِدَارَ الْحَدِيقَةِ الصَّغِيرَةِ، فَوَجَدْتُ نَفْسِي، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى تَذَكُّرِهَا بِدِقَّةٍ تَامَّةٍ. كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّهَا كَانَتْ هُنَاكَ، أَعْرِفُ أَنَّهَا مَلَأَتِ الْمَسَاءَاتِ الصَّيْفِيَّةَ بِعِطْرِهَا الثَّقِيلِ، لَكِنَّ الرَّائِحَةَ نَفْسَهَا، تِلْكَ الَّتِي كُنْتُ أَظُنُّهَا مَحْفُورَةً فِي جَسَدِي إِلَى الْأَبَدِ، بَدَتْ لِي فَجْأَةً بَعِيدَةً، كَأَنَّهَا رَائِحَةٌ قَرَأْتُ عَنْهَا فِي كِتَابٍ، لَا رَائِحَةٌ عِشْتُهَا بِنَفْسِي.
جَفَلْتُ مِنْ هَذَا الِاكْتِشَافِ أَكْثَرَ مِمَّا جَفَلْتُ مِنْ أَيِّ خَوْفٍ آخَرَ خَبَرْتُهُ هُنَا. لَيْسَ الْخَوْفُ مِنَ الْمَجْهُولِ هُوَ مَا أَرْبَكَنِي هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلِ اكْتِشَافُ أَنَّ الْمَعْلُومَ، الْمَاضِيَ الَّذِي ظَنَنْتُهُ صَخْرَةً ثَابِتَةً لَا تَتَحَرَّكُ، بَدَأَ هُوَ نَفْسُهُ يَتَآكَلُ بِبُطْءٍ، دُونَ اسْتِئْذَانِي، دُونَ حَتَّى أَنْ أَشْعُرَ بِلَحْظَةِ الِانْهِيَارِ الدَّقِيقَةِ.فَكَّرْتُ طَوِيلًا فِي هَذِهِ الْمُفَارَقَةِ: أَنَا الَّذِي جِئْتُ إِلَى هَذَا الْبَلَدِ حَامِلًا مَعِي دِمَشْقَ كَاملَةً فِي صَدْرِي، كَمَا ظَنَنْتُ، أَجِدُ الْآنَ أَنَّ دِمَشْقَ الَّتِي أَحْمِلُهَا لَيْسَتْ دِمَشْقَ نَفْسَهَا الَّتِي غَادَرْتُهَا، بَلْ نُسْخَةً مِنْهَا أُعِيدُ صِيَاغَتَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ أَكْتُبُ عَنْهَا، نُسْخَةً تَزْدَادُ جَمَالًا مَعَ كُلِّ إِعَادَةِ كِتَابَةٍ، وَتَزْدَادُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ بُعْدًا عَنِ الْحَقِيقَةِ الْخَشِنَةِ الَّتِي عِشْتُهَا فِعْلًا.
هَلْ أَنَا، فِي الْحَقِيقَةِ، أَحْفَظُ دِمَشْقَ حِينَ أَكْتُبُ عَنْهَا، أَمْ أَخْتَرِعُ دِمَشْقَ أُخْرَى، أَكْثَرَ اتِّسَاقًا وَجَمَالًا مِنَ الدِّمَشْقِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ صَاخِبَةً، مُتْعَبَةً، مُتَنَاقِضَةً، لَا تُشْبِهُ أَبَدًا هَذِهِ اللَّوْحَةَ الْمُتْقَنَةَ الَّتِي أَرْسُمُهَا الْآنَ عَلَى وَرَقِ الرِّوَايَةِ؟ أَخْشَى أَنَّ الْكِتَابَةَ، بَدَلَ أَنْ تَكُونَ جِسْرًا أَمِينًا إِلَى الْمَاضِي، أَصْبَحَتْ نَوْعًا مِنَ التَّحْنِيطِ: أُحَافِظُ عَلَى شَكْلِ الذِّكْرَى، لَكِنَّنِي أُفْرِغُهَا مِنْ رُوحِهَا الْمُتَقَلِّبَةِ الْحَيَّةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أُثَبِّتُهَا فِيهَا عَلَى الْوَرَقِ.هُنَاكَ أَمْرٌ آخَرُ أَشَدُّ غَرَابَةً بَدَأْتُ أُلَاحِظُهُ فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ: صِرْتُ أُفَكِّرُ، فِي لَحَظَاتٍ عَابِرَةٍ، بِكَلِمَاتٍ أَلْمَانِيَّةٍ، دُونَ أَنْ أَقْصِدَ ذَلِكَ. لَيْسَتْ جُمَلًا كَامِلَةً بَعْدُ، بَلْ شَذَرَاتٍ صَغِيرَةً: كَلِمَةً لِوَصْفِ الطَّقْسِ، تَعْبِيرًا لِلِاعْتِذَارِ فِي مَوْقِفٍ عَابِرٍ، حَتَّى بَعْضَ الْأَرْقَامِ الَّتِي أَعُدُّهَا الْآنَ بِالْأَلْمَانِيَّةِ دُونَ تَفْكِيرٍ مُسْبَقٍ.
فِي الْبِدَايَةِ ابْتَهَجْتُ بِهَذَا التَّسَلُّلِ اللُّغَوِيِّ، ظَنَنْتُهُ عَلَامَةً عَلَى تَقَدُّمٍ حَقِيقِيٍّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِعْلًا. لَكِنَّنِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أَكْتُبَ جُمْلَةً عَرَبِيَّةً عَنِ الْحَنِينِ، وَجَدْتُ نَفْسِي أَتَلَعْثَمُ لِثَوَانٍ، أَبْحَثُ عَنْ كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ كُنْتُ أَعْرِفُهَا بِيَقِينٍ تَامٍّ مُنْذُ طُفُولَتِي، فَلَمْ أَجِدْهَا فِي اللَّحْظَةِ الْأُولَى إِلَّا بَعْدَ جُهْدٍ طَفِيفٍ. لَحْظَةٌ صَغِيرَةٌ، عَابِرَةٌ، لَا تَسْتَحِقُّ رُبَّمَا كُلَّ هَذَا الِانْتِبَاهِ الَّذِي أُولِيهَا الْآنَ، لَكِنَّهَا أَفْزَعَتْنِي أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي: مَاذَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَاتُ الصَّغِيرَةُ بِدَايَةَ عَمَلِيَّةٍ أَكْبَرَ، عَمَلِيَّةِ إِخْلَاءٍ بَطِيءٍ لِلُّغَتِي الْأُمِّ مِنْ دَاخِلِي، لِتَحِلَّ مَحَلَّهَا لُغَةٌ جَدِيدَةٌ لَنْ تَحْمِلَ أَبَدًا الثِّقَلَ الْعَاطِفِيَّ نَفْسَهُ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْعَرَبِيَّةُ فِي دَاخِلِي؟
أَنَا كَاتِبٌ. لُغَتِي لَيْسَتْ أَدَاةً فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ الْمَادَّةُ الْخَامُ الَّتِي أُصَاغُ مِنْهَا. إِنْ بَدَأَتِ الْعَرَبِيَّةُ تَتَرَاجَعُ دَاخِلِي، وَلَوْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، فَهَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّنِي أَفْقِدُ، مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ تَتَسَلَّلُ إِلَى تَفْكِيرِي، جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كَتَبَ كُلَّ مَا كَتَبَهُ حَتَّى الْآنَ؟جَلَسْتُ الْيَوْمَ مَعَ كَرِيمٍ لِسَاعَةٍ كَامِلَةٍ، لَا لِأُعَلِّمَهُ شَيْئًا كَعَادَةِ الْآبَاءِ، بَلْ لِأَسْأَلَهُ سُؤَالًا كُنْتُ أُرَاوِغُ نَفْسِي طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ أَجِدَ الشَّجَاعَةَ لِطَرْحِهِ:
– كَرِيمُ، هَلْ مَا زِلْتَ تَذْكُرُ صَوْتَ جَدِّكَ بِوُضُوحٍ، رَحِمَهُ اللهُ؟
فَكَّرَ ابْنِي طَوِيلًا، ثُمَّ أَجَابَ بِصِدْقٍ آلَمَنِي أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتُ أَتَوَقَّعُ:
– بِصَرَاحَةٍ، أَبِي، لَا أَعْرِفُ. أَتَذَكَّرُ أَنَّهُ كَانَ يَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ، لَكِنَّنِي لَسْتُ مُتَأَكِّدًا إِنْ كُنْتُ أَتَذَكَّرُ الصَّوْتَ نَفْسَهُ، أَمْ أَتَذَكَّرُ فَقَطْ أَنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يَضْحَكُ هَكَذَا.
جُمْلَتُهُ هَذِهِ ظَلَّتْ تَتَرَدَّدُ فِي رَأْسِي طَوَالَ الْمَسَاءِ. أَتَذَكَّرُ أَنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ، لَا أَتَذَكَّرُ نَفْسَ الشَّيْءِ. هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَحْدُثُ لِي مَعَ دِمَشْقَ كُلِّهَا، أَظُنُّ: لَمْ أَعُدْ أَتَذَكَّرُ الْمَدِينَةَ نَفْسَهَا، بَلْ أَتَذَكَّرُ أَنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُهَا، وَهَذَا فَرْقٌ هَائِلٌ، وَإِنْ بَدَا ضَئِيلًا لِمَنْ لَمْ يَعِشْهُ مِنَ الدَّاخِلِ.فَكَّرْتُ فِي زِيَادٍ، وَفِي حَدِيثِهِ الْأَخِيرِ مَعِي عَنِ الِانْدِمَاجِ كَمُعَادَلَةٍ لَا تَنْتَهِي. أَظُنُّ الْآنَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ نَفْسَهَا تُشْبِهُ تِلْكَ الْمُعَادَلَةَ: لَيْسَتْ خِزَانَةً ثَابِتَةً نُوقِفُ الزَّمَنَ فِيهَا عِنْدَ لَحْظَةِ الرَّحِيلِ، بَلْ نَهْرًا لَا يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّشَكُّلِ، يَأْخُذُ مِنْ حَاضِرِنَا الْجَدِيدِ أَلْوَانًا جَدِيدَةً يَصْطَبِغُ بِهَا مَاضِينَا الْقَدِيمُ دُونَ اسْتِئْذَانٍ.
رُبَّمَا هَذَا مَا كُنْتُ أَخْشَاهُ حَقًّا، دُونَ أَنْ أَعْرِفَ كَيْفَ أُسَمِّيهِ: لَيْسَ فَقْدَانَ الذَّاكِرَةِ بِمَعْنَاهَا الْمَرَضِيِّ، بَلْ تَحَوُّلَهَا الصَّامِتَ، تَحْتَ سَمْعِي وَبَصَرِي، إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، أَقَلَّ صِدْقًا، أَكْثَرَ خِدْمَةً لِحَاجَتِي الرَّاهِنَةِ إِلَى قِصَّةٍ مُتَّسِقَةٍ عَنْ نَفْسِي، مِنْ خِدْمَتِهَا لِلْحَقِيقَةِ كَمَا وَقَعَتْ فِعْلًا.
وَهُنَا يَطْرَحُ نَفْسَهُ سُؤَالٌ أَعْمَقُ، سُؤَالٌ يَخُصُّ صَنْعَتِي بِالذَّاتِ: مَا مَسْؤُولِيَّةُ الْكَاتِبِ حِينَ يَكْتُبُ عَنْ وَطَنٍ يَعْرِفُ فِي دَاخِلِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَتَذَكَّرُهُ بِأَمَانَةٍ كَامِلَةٍ؟ هَلْ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَرِفَ لِلْقَارِئِ، فِي هَامِشٍ خَفِيٍّ، أَنَّ دِمَشْقِيَ الْمَكْتُوبَةَ هَذِهِ لَيْسَتْ وَثِيقَةً تَارِيخِيَّةً، بَلْ إِعَادَةَ بِنَاءٍ يَقُومُ بِهَا رَجُلٌ يُحِبُّ مَدِينَتَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَذَكَّرُهَا؟ أَمْ أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَافَ نَفْسَهُ، إِنْ كُتِبَ بِصِدْقٍ، هُوَ الْأَمَانَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ أُقَدِّمَهَا، أَكْثَرَ مِنَ التَّظَاهُرِ بِيَقِينٍ لَا أَمْلِكُهُ فِعْلًا؟أَتَذَكَّرُ الْآنَ سُؤَالًا طَرَحَهُ عَلَيَّ هِيرَ مُولِرَ فِي مُقَابَلَتِنَا الْأُولَى، حِينَ سَأَلَنِي عَنِ التَّحَدِّي الْأَكْبَرِ فِي تَرْجَمَةِ نَصٍّ أَدَبِيٍّ. أَجَبْتُهُ يَوْمَهَا أَنَّ التَّحَدِّيَ لَيْسَ فِي نَقْلِ الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ، بَلْ فِي نَقْلِ الْإِيقَاعِ وَالرُّوحِ. أُدْرِكُ الْآنَ أَنَّ مَا أَفْعَلُهُ حِينَ أَكْتُبُ عَنْ دِمَشْقَ يُشْبِهُ تَمَامًا هَذَا التَّحَدِّيَ فِي التَّرْجَمَةِ: أَنَا لَا أَنْقُلُ دِمَشْقَ كَمَا كَانَتْ، فَهَذَا مُسْتَحِيلٌ أَصْلًا، بَلْ أُتَرْجِمُ إِحْسَاسِي الرَّاهِنَ تُجَاهَهَا إِلَى لُغَةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَكُلُّ تَرْجَمَةٍ، كَمَا تَعَلَّمْتُ حَدِيثًا، خِيَانَةٌ صَغِيرَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِلْأَصْلِ، لَا يُمْكِنُ تَجَنُّبُهَا كُلِّيًّا، بَلْ فَقَطِ التَّعَامُلُ مَعَهَا بِوَعْيٍ وَأَمَانَةٍ نِسْبِيَّةٍ.
رُبَّمَا هَذَا مَا يَنْبَغِي أَنْ أَتَصَالَحَ مَعَهُ: أَنَّنِي، حِينَ أَكْتُبُ عَنْ دِمَشْقَ، لَسْتُ مُؤَرِّخًا يُوَثِّقُ، بَلْ مُتَرْجِمًا يَنْقُلُ رُوحَ ذِكْرَى مُتَغَيِّرَةٍ بِطَبِيعَتِهَا إِلَى صِيغَةٍ ثَابِتَةٍ عَلَى الْوَرَقِ، وَأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ الثَّابِتَةَ نَفْسَهَا، بِمُجَرَّدِ أَنْ تُكْتَبَ، تُصْبِحُ ذِكْرَى جَدِيدَةً تَحُلُّ مَحَلَّ الذِّكْرَى الْقَدِيمَةِ الْمُتَآكِلَةِ، لَا تَحْفَظُهَا كَمَا هِيَ، بَلْ تَسْتَبْدِلُ بِهَا نُسْخَةً أَكْثَرَ صَلَابَةً، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ صِدْقًا فِي تَفَاصِيلِهَا الدَّقِيقَةِ.فَتَحْتُ هَاتِفِي اللَّيْلَةَ، وَتَصَفَّحْتُ أَلْبُومَ الصُّوَرِ الْقَدِيمَةِ الَّذِي أَحْضَرْتُهُ مَعِي عَلَى بِطَاقَةِ ذَاكِرَةٍ صَغِيرَةٍ، كَأَنَّهَا كُلُّ مَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاةٍ كَامِلَةٍ. وَقَفْتُ طَوِيلًا أَمَامَ صُورَةٍ لِحَدِيقَتِنَا نَفْسِهَا، تِلْكَ الَّتِي كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَحْضِرَ رَائِحَتَهَا مُنْذُ قَلِيلٍ. الْمُفَاجَأَةُ لَمْ تَكُنْ فِي الصُّورَةِ نَفْسِهَا، بَلْ فِي التَّفَاصِيلِ الَّتِي حَمَلَتْهَا وَلَمْ تَحْمِلْهَا ذَاكِرَتِي: جِدَارٌ صَغِيرٌ مَطْلِيٌّ بِلَوْنٍ أَزْرَقَ بَاهِتٍ، لَمْ أَكُنْ أَتَذَكَّرُهُ إِطْلَاقًا، وَكُرْسِيٌّ خَشَبِيٌّ مَكْسُورُ الْمِسْنَدِ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَالِدِي كُلَّ مَسَاءٍ، وَقَدْ نَسِيتُ تَمَامًا أَنَّهُ كَانَ مَكْسُورًا بِهَذَا الشَّكْلِ.
جَلَسْتُ أُقَارِنُ بَيْنَ الصُّورَةِ الَّتِي أَمَامِي وَالصُّورَةِ الَّتِي أَحْمِلُهَا فِي رَأْسِي، وَأَدْرَكْتُ أَنَّ الِاثْنَتَيْنِ لَيْسَتَا الصُّورَةَ نَفْسَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ. ذَاكِرَتِي كَانَتْ قَدْ حَذَفَتْ الْكُرْسِيَّ الْمَكْسُورَ، وَاسْتَبْدَلَتِ الْجِدَارَ الْبَاهِتَ بِلَوْنٍ أَكْثَرَ حَيَوِيَّةً وَإِشْرَاقًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَكَأَنَّ عَقْلِي، دُونَ عِلْمِي، كَانَ يُنَقِّحُ الْمَاضِيَ بِاسْتِمْرَارٍ، يَحْذِفُ مِنْهُ كُلَّ مَا هُوَ عَادِيٌّ أَوْ مُتَهَالِكٌ، وَيُبْقِي فَقَطْ عَلَى مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَشْهَدًا جَدِيرًا بِالْحَنِينِ. هَلْ هَذَا مَا تَفْعَلُهُ كُلُّ الذَّاكِرَةِ الْبَشَرِيَّةِ، أَمْ أَنَّ الذَّاكِرَةَ فِي الْمَنْفَى تَحْدِيدًا تَعْمَلُ بِوَتِيرَةٍ أَشَدَّ قَسْوَةً، لِأَنَّهَا مَحْرُومَةٌ مِنَ التَّصْحِيحِ الْيَوْمِيِّ الَّذِي يُوَفِّرُهُ الْمُرُورُ الْفِعْلِيُّ أَمَامَ الْمَكَانِ نَفْسِهِ كُلَّ صَبَاحٍ؟أَرَيْتُ سَلْمَى الصُّورَةَ، وَسَأَلْتُهَا إِنْ كَانَتْ تَتَذَكَّرُ الْكُرْسِيَّ الْمَكْسُورَ. ضَحِكَتْ عَلَى الْفَوْرِ:
– بِالطَّبْعِ أَتَذَكَّرُهُ! كُنْتُ أُلِحُّ عَلَى وَالِدِكَ كُلَّ صَيْفٍ أَنْ يُصْلِحَهُ أَوْ يَسْتَبْدِلَهُ، وَكَانَ يَرْفُضُ بِعِنَادٍ، يَقُولُ إِنَّهُ اعْتَادَ عَلَى شَكْلِ جُلُوسِهِ الْمُعْوَجِّ.
شَعَرْتُ بِخَجَلٍ غَرِيبٍ وَأَنَا أَسْمَعُ هَذَا التَّفْصِيلَ الَّذِي مَحَتْهُ ذَاكِرَتِي تَمَامًا، بَيْنَمَا احْتَفَظَتْ بِهِ ذَاكِرَةُ سَلْمَى بِوُضُوحٍ تَامٍّ. سَأَلْتُهَا بِفُضُولٍ أَعْمَقَ:
– وَهَلْ تَتَذَكَّرِينَ رَائِحَةَ الْيَاسَمِينِ فِي تِلْكَ الْحَدِيقَةِ؟
فَكَّرَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، ثُمَّ أَجَابَتْ بِصِدْقٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهُ:
– بِصَرَاحَةٍ، أَتَذَكَّرُ أَنَّهَا كَانَتْ قَوِيَّةً جِدًّا فِي بَعْضِ الْأُمْسِيَاتِ، لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْتَحْضِرَ الرَّائِحَةَ نَفْسَهَا الْآنَ، مَهْمَا حَاوَلْتُ. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا طَبِيعِيٌّ، يَا هَمَّامُ. لَا أَحَدَ يَحْمِلُ رَائِحَةً كَامِلَةً فِي رَأْسِهِ لِسَنَوَاتٍ، هَذَا لَيْسَ كَيْفَ تَعْمَلُ الذَّاكِرَةُ الْبَشَرِيَّةُ أَصْلًا.
أَرَاحَتْنِي إِجَابَتُهَا بِقَدْرِ مَا أَقْلَقَتْنِي فِي آنٍ وَاحِدٍ: أَرَاحَتْنِي لِأَنَّهَا كَشَفَتْ أَنَّ مَا أَعِيشُهُ لَيْسَ عَطَبًا شَخْصِيًّا فِيَّ وَحْدِي، بَلْ سِمَةً عَامَّةً لِلذَّاكِرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهَا. لَكِنَّهَا أَقْلَقَتْنِي لِأَنَّهَا ذَكَّرَتْنِي أَنَّ حَتَّى سَلْمَى، الَّتِي عَاشَتْ فِي الْبَيْتِ نَفْسِهِ، الشَّارِعِ نَفْسِهِ، السَّنَوَاتِ نَفْسَهَا، تَحْمِلُ نُسْخَةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنِ الْمَاضِي عَنِ النُّسْخَةِ الَّتِي أَحْمِلُهَا أَنَا. لَيْسَ لِدَيْنَا، إِذَنْ، مَاضٍ مُشْتَرَكٌ حَقًّا، بَلْ ذَاكِرَتَانِ مُتَوَازِيَتَانِ، تَتَقَاطَعَانِ أَحْيَانًا، وَتَفْتَرِقَانِ فِي أَغْلَبِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ، دُونَ أَنْ نَنْتَبِهَ لِذَلِكَ إِلَّا فِي لَحَظَاتٍ نَادِرَةٍ كَهَذِهِ.لَكِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي أَقْلَقَنِي أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَ، جَاءَ مِنِ ابْنَتِي رَهَفَ، دُونَ أَنْ تَقْصِدَ ذَلِكَ. كُنَّا نَتَعَشَّى مَعًا، وَذَكَرْتُ اسْمَ حَلْوَى دِمَشْقِيَّةٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ جَدَّتُهَا تُحَضِّرُهَا كُلَّ عِيدٍ، فَنَظَرَتْ إِلَيَّ رَهَفُ بِحَيْرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ:
– مَاذَا تَعْنِي بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِالضَّبْطِ، يَا أَبِي؟ لَا أَتَذَكَّرُ أَنَّنِي سَمِعْتُهَا مِنْ قَبْلُ.
شَرَحْتُ لَهَا الْكَلِمَةَ، وَحَاوَلْتُ أَنْ أَصِفَ لَهَا طَعْمَ تِلْكَ الْحَلْوَى وَشَكْلَهَا، لَكِنَّنِي شَعَرْتُ، وَأَنَا أَتَحَدَّثُ، بِثِقَلٍ غَرِيبٍ يَهْبِطُ عَلَى صَدْرِي: إِنْ كَانَتِ ابْنَتِي، الَّتِي عَاشَتْ عِشْرِينَ عَامًا فِي دِمَشْقَ قَبْلَ الرَّحِيلِ، قَدْ نَسِيَتْ بِالْفِعْلِ اسْمَ حَلْوَى بَسِيطَةٍ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ كُلِّ عِيدٍ فِي طُفُولَتِهَا، فَمَاذَا سَيَبْقَى مِنْ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ حِينَ يَكْبَرُ أَحْفَادُهَا يَوْمًا، هُنَا فِي أَلْمَانِيَا، بَعِيدِينَ عَنْ كُلِّ سِيَاقٍ يَجْعَلُ لِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَعْنًى حَيًّا؟
أَدْرَكْتُ حِينَهَا أَنَّ الذَّاكِرَةَ لَا تَتَآكَلُ فَقَطْ دَاخِلَ الْفَرْدِ الْوَاحِدِ مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ، بَلْ تَتَآكَلُ أَيْضًا، وَبِوَتِيرَةٍ أَسْرَعَ بِكَثِيرٍ، بَيْنَ جِيلٍ وَجِيلٍ. أَنَا أَنْسَى رَائِحَةَ الْيَاسَمِينِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الرَّحِيلِ، لَكِنَّ رَهَفَ نَسِيَتِ اسْمَ حَلْوَى الْعِيدِ فِي أَقَلَّ مِنْ عَامٍ وَاحِدٍ، وَأَبْنَاؤُهَا، إِنْ وُلِدُوا يَوْمًا هُنَا، لَنْ يَحْمِلُوا حَتَّى ذَاكِرَةَ النِّسْيَانِ نَفْسِهَا، لِأَنَّهُمْ لَنْ يَعْرِفُوا أَصْلًا أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَى.
هَذَا مَا جَعَلَنِي أُدْرِكُ، بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، لِمَاذَا يُصِرُّ زِيَادٌ عَلَى أَنَّ كِتَابَةَ هَذِهِ الْقِصَصِ لَيْسَتْ تَرَفًا أَدَبِيًّا، بَلْ ضَرُورَةً تَكَادُ تَكُونُ إِنْقَاذِيَّةً. لَسْنَا نَكْتُبُ لِنُوَثِّقَ حَقَائِقَ ثَابِتَةً، بَلْ لِنُثَبِّتَ، وَلَوْ بِشَكْلٍ مُنَقَّحٍ وَغَيْرِ كَامِلِ الْأَمَانَةِ، شَيْئًا مِنَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي سَتَضِيعُ حَتْمًا لَوْلَا هَذِهِ الْمُحَاوَلَةَ الْمُتَوَاضِعَةَ لِتَثْبِيتِهَا عَلَى وَرَقٍ، وَلَوْ عَلَى شَكْلِ ذِكْرَى مُعَادِ رَسْمِهَا، لَا صُورَةٍ طِبْقَ الْأَصْلِ عَنِ الْمَاضِي كَمَا كَانَ فِعْلًا.فِكْرَةٌ أَخِيرَةٌ أُرِيدُ أَنْ أُثَبِّتَهَا هُنَا قَبْلَ أَنْ أُغْلِقَ الدَّفْتَرَ: رُبَّمَا لَيْسَ الْمَطْلُوبُ مِنِّي أَنْ أُقَاوِمَ هَذَا التَّآكُلَ الطَّبِيعِيَّ لِلذَّاكِرَةِ، وَلَا أَنْ أَتَظَاهَرَ بِأَنَّنِي مَا زِلْتُ أَحْمِلُ دِمَشْقَ كَامِلَةً كَمَا غَادَرْتُهَا. رُبَّمَا الْمَطْلُوبُ هُوَ أَنْ أَكْتُبَ عَنْ هَذَا التَّآكُلِ نَفْسِهِ، أَنْ أَجْعَلَ مِنَ اهْتِزَازِ الذَّاكِرَةِ ذَاتِهِ مَوْضُوعًا لِلْكِتَابَةِ، لَا عَيْبًا يَنْبَغِي إِخْفَاؤُهُ عَنِ الْقَارِئِ.
فَلْتَكُنْ رِوَايَتِي، إِذَنْ، لَيْسَتْ فَقَطْ عَنْ رِحْلَةِ عَائِلَةٍ سُورِيَّةٍ فِي أَلْمَانِيَا، بَلْ أَيْضًا عَنْ هَذَا الشَّرْخِ الدَّقِيقِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي دَاخِلِ كُلِّ مُهَاجِرٍ، حِينَ يَكْتَشِفُ أَنَّ الْوَطَنَ الَّذِي يَحْمِلُهُ فِي صَدْرِهِ لَيْسَ وَطَنًا ثَابِتًا يَحْتَفِظُ بِهِ كَمَا هُوَ، بَلْ كَائِنًا حَيًّا يَتَغَيَّرُ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ يَمُرُّ بَعِيدًا عَنْهُ، حَتَّى يُصْبِحَ، فِي النِّهَايَةِ، وَطَنًا مِنْ صُنْعِ الْحَنِينِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ وَطَنٌ مِنْ صُنْعِ الْجُغْرَافِيَا وَالتَّارِيخِ.
أُغْلِقُ الدَّفْتَرَ الْآنَ، وَأَنَا أَحْمِلُ فِي رَأْسِي صُورَةً غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ لِحَدِيقَتِنَا الْقَدِيمَةِ فِي حَيِّ الْمُهَاجِرِينَ، صُورَةً أَعْرِفُ الْآنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ الصُّورَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، بَلْ نُسْخَةً أَعَدْتُ رَسْمَهَا بِنَفْسِي، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، حَتَّى صَارَتْ أَجْمَلَ مِنَ الْأَصْلِ وَأَبْعَدَ عَنْهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَرُبَّمَا هَذَا، فِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ، هُوَ كُلُّ مَا يَسْتَطِيعُ أَيُّ مُهَاجِرٍ أَنْ يَفْعَلَهُ بِذَاكِرَتِهِ: لَا أَنْ يَحْفَظَهَا كَمَا كَانَتْ، فَهَذَا مُحَالٌ، بَلْ أَنْ يُعِيدَ رَسْمَهَا بِحُبٍّ كَافٍ لِيَتَحَمَّلَ خِيَانَتَهَا الصَّغِيرَةَ لَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ.
