متحف الأيام المفقودة 25

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الخَامِسُ وَالعِشْرُونَ: الرَّاهِبَةُ المَسِيحِيَّةُ – الكَشْفُ وَالرُّؤْيَا بَيْنَ اليَقِينِ وَالشَّكِّ
——————–
كَانَتِ الغُرْفَةُ صَغِيرَةً إِلَى حَدِّ أَنَّهَا لَا تَكَادُ تَتَّسِعُ لِأَكْثَرَ مِنْ جَسَدَيْنِ وَصَمْتِهِمَا.
دَخَلَ سَامِرٌ بِخُطًى حَذِرَةٍ، كَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مِنَ الأَمَاكِنِ مَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الدُّخُولُ بِصَخَبٍ، وَلَا بِيَقِينٍ مُسْبَقٍ.
كَانَتِ الغُرْفَةُ مُلْحَقَةً بِكَنِيسَةٍ حَجَرِيَّةٍ يَبْدُو أَنَّهَا نَبَتَتْ مِنَ الأَرْضِ البَرِيطَانِيَّةِ البَارِدَةِ مُنْذُ قُرُونٍ، كَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الصَّخْرِ نَفْسِهِ لَا بِنَاءٌ فَوْقَهُ.
كَانَ عَامُ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ لِلمِيلَادِ، وَكَانَتْ إِنْجِلْتَرَا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ مَكَانًا لَا يَرْحَمُ المَرْأَةَ الَّتِي تَجْرُؤُ عَلَى التَّفْكِيرِ بِصَوْتٍ عَالٍ.
نَافِذَةٌ وَاحِدَةٌ ضَيِّقَةٌ كَمَسَامِ جِلْدٍ كَانَتْ تَسْمَحُ لِشُعَاعٍ مِنَ الضَّوْءِ الشَّاحِبِ أَنْ يَتَسَلَّلَ إِلَى الدَّاخِلِ، وَكَأَنَّ النُّورَ نَفْسَهُ كَانَ خَائِفًا وَيَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ مَسْمُوحًا لَهُ بِالدُّخُولِ.
عِنْدَ المِنْضَدَةِ الخَشَبِيَّةِ البَسِيطَةِ، الَّتِي تَبْدُو كَأَنَّ نَجَّارًا صَنَعَهَا دُونَ أَنْ يُفَكِّرَ كَثِيرًا فِي الجَمَالِ وَكُلَّ تَفْكِيرِهِ انْصَبَّ عَلَى المَتَانَةِ، جَلَسَتِ امْرَأَةٌ فِي الأَرْبَعِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهَا، تُمْسِكُ بِقَلَمِ رِيشَةٍ وَتَكْتُبُ عَلَى وَرَقٍ رَقِيقٍ يَكَادُ يَشِفُّ مِنَ الضَّوْءِ.
كَانَتْ يَدَاهَا تَرْتَجِفَانِ ارْتِجَافًا خَفِيفًا لَا يَكَادُ يُلَاحَظُ، لَكِنَّ خُطُوطَهَا عَلَى الوَرَقِ كَانَتْ ثَابِتَةً بِشَكْلٍ يَبْدُو غَرِيبًا، كَأَنَّ شَيْئًا مَا كَانَ يُمْسِكُ يَدَهَا مِنَ الدَّاخِلِ وَيَمْنَعُهَا مِنَ الِاهْتِزَازِ حِينَ تُخِطُّ الحُرُوفَ.
قَالَتْ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَهَا، كَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُهُ:
ـ أَهْلًا بِكَ.
اعْذُرْ يَدِيَ المُرْتَجِفَةَ.
كُنْتُ مَرِيضَةً جِدًّا قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، أَوْشَكْتُ فِيهَا عَلَى المَوْتِ بِمَسَافَةٍ لَا تَكَادُ تُقَاسُ.
أَجَابَ سَامِرٌ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، كَأَنَّهُ يَحْتَرِمُ صَمْتَ المَكَانِ:
ـ أَنَا سَامِرٌ.
هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ الآنَ؟
رَفَعَتِ المَرْأَةُ رَأْسَهَا ببُطْءٍ، وَكَانَ وَجْهُهَا شَاحِبًا شُحُوبَ مَنْ عَبَرَ مَسَافَةً طَوِيلَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَوْتِ وَعَادَ بِشَيْءٍ مَا فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، لَكِنَّ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً كَانَتْ تُضِيءُ مَلَامِحَهَا مِنَ الدَّاخِلِ إِضَاءَةً لَا تَشْبِهُ ضَوْءَ الشُّمُوعِ، بَلْ تُشْبِهُ الجَمْرَ الَّذِي يَبْقَى تَحْتَ الرَّمَادِ.
قَالَتْ:
ـ تَعَافَيْتُ.
نَعَمْ.
لَكِنَّ شَيْئًا مَا تَغَيَّرَ فِيَّ خِلَالَ تِلْكَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتُ فِيهَا قَرِيبَةً مِنَ الحَافَّةِ، بَيْنَ النَّفَسِ الأَخِيرِ وَالنَّفَسِ الَّذِي يَلِيهِ.
رَأَيْتُ رُؤًى، خَمْسَ عَشْرَةَ رُؤْيَا، لَا تَزَالُ تَسْكُنُنِي حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ، وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُقَيِّدَهَا بِالكَلِمَاتِ قَبْلَ أَنْ تَتَسَلَّلَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ الذَّاكِرَةِ وَتَضِيعَ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ.
ـ رُؤًى دِينِيَّةٌ؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا إِيمَاءَةً بَطِيئَةً:
ـ نَعَمْ.
رَأَيْتُ آلَامًا كَانَ الجَسَدُ يَرْفُضُهَا وَالرُّوحُ تَتَقَبَّلُهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَرَأَيْتُ رَحْمَةً أَوْسَعَ مِمَّا كُنْتُ أَتَصَوَّرُ أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ.
وَسَمِعْتُ كَلِمَاتٍ لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ أَسْمَعَهَا فِي حَيَاتِي كُلِّهَا:
«كُلُّ شَيْءٍ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ، وَكُلُّ أَنْوَاعِ الأَشْيَاءِ سَتَكُونُ بِخَيْرٍ».
تَوَقَّفَتْ.
كَأَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَمِعُ إِلَى صَدَى الكَلِمَاتِ وَهِيَ تَرْتَدُّ مِنْ جُدْرَانِ الحَجَرِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَشُدُّهُ وَيَجْذِبُهُ نَحْوَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ بِقُوَّةٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَفْسِيرَهَا.
كَانَ ثَمَّةَ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ البَسِيطَةِ شَيْءٌ يَعْجِزُ عَنِ الإِمْسَاكِ بِهِ وَيَعْجَزُ أَيْضًا عَنِ الإِفْلَاتِ مِنْهُ.
قَالَ:
ـ هَذَا يَبْدُو مُطْمَئِنًّا جِدًّا، يَكَادُ يَكُونُ مُطْمَئِنًّا أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ الكَلِمَاتُ.
ابْتَسَمَتِ الرَّاهِبَةُ ابْتِسَامَةً حَمَلَتْ فِيهَا شَيْئًا يُشْبِهُ الوَجَعَ وَشَيْئًا يُشْبِهُ السَّلَامَ:
ـ هُوَ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ.
لَكِنَّهُ أَيْضًا يُثِيرُ فِيَّ سُؤَالًا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُسْكِتَهُ:
هَلْ أَثِقُ بِهَذِهِ الرُّؤَى تَمَامًا؟
هَلْ هِيَ رِسَالَةٌ إِلَهِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَصَلَتْ إِلَيَّ بِطَرِيقَةٍ لَا أَفْهَمُهَا؟
أَمْ أَنَّهَا نِتَاجُ حُمَّى شَدِيدَةٍ أَضْعَفَتِ الحَوَاجِزَ بَيْنَ اليَقْظَةِ وَالحُلُمِ، وَبَيْنَ الوَعْيِ وَالوَهَمِ، وَبَيْنَ الحَقِيقَةِ وَمَا يَتَمَنَّى عَقْلٌ خَائِفٌ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الحَقِيقَةُ؟
وَضَعَتْ قَلَمَهَا عَلَى الجَانِبِ بِحَرَكَةٍ هَادِئَةٍ، وَنَظَرَتْ إِلَى سَامِرٍ بِعَيْنَيْنِ فِيهِمَا عُمْقٌ يَصْعُبُ قِيَاسُهُ.
سَأَلَهَا:
ـ كَيْفَ تَتَعَامَلِينَ مَعَ هَذَا الشَّكِّ؟
أَجَابَتْ دُونَ تَرَدُّدٍ، كَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ:
ـ لَا أُحَاوِلُ أَنْ أُزِيلَ الشَّكَّ تَمَامًا، يَا سَامِرُ.
تَعَلَّمْتُ أَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يَعْنِي غِيَابَ الشَّكِّ.
يَعْنِي القُدْرَةَ عَلَى الاحْتِفَاظِ بِاليَقِينِ وَالشَّكِّ مَعًا فِي القَلْبِ الوَاحِدِ، دُونَ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، وَدُونَ أَنْ تُضْطَرَّ إِلَى الاخْتِيَارِ بَيْنَهُمَا كَمَنْ يُضْطَرُّ إِلَى الاخْتِيَارِ بَيْنَ التَّنَفُّسِ وَالنَّبْضِ.
فَكَّرَ سَامِرٌ فِي هَذَا لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ:
ـ هَذَا يَبْدُو مُتَنَاقِضًا مِنَ النَّاحِيَةِ المَنْطِقِيَّةِ.
كَيْفَ يُمْكِنُ لِشَخْصٍ أَنْ يُؤْمِنَ وَيَشُكَّ فِي اللَّحْظَةِ الوَاحِدَةِ بِالشَّيْءِ الوَاحِدِ بِعَيْنِهِ؟
هَلْ هَذَا لَيْسَ كَمَنْ يَقُولُ إِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّمْسَ مَوْجُودَةٌ وَغَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ؟
ابْتَسَمَتِ الرَّاهِبَةُ ابْتِسَامَةً فِيهَا حِكْمَةُ مَنْ عَاشَ طَوِيلًا مَعَ الأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ إِجَابَاتٍ قَصِيرَةً:
ـ رُبَّمَا يَبْدُو كَذَلِكَ لِمَنْ يَنْظُرُ إِلَى الأَمْرِ مِنَ الخَارِجِ، بِعَيْنِ المَنْطِقِ الصَّارِمِ الَّذِي يَرَى العَالَمَ إِمَّا أَبْيَضَ وَإِمَّا أَسْوَدَ.
لَكِنَّ الحَيَاةَ الدَّاخِلِيَّةَ لِلإِنْسَانِ لَيْسَتْ مَنْطِقِيَّةً بِهَذَا الشَّكْلِ الصَّارِمِ.
فِكِّرْ فِي رَجُلٍ يُحِبُّ أَبَاهُ، وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ يَحْمِلُ عَلَيْهِ غَضَبًا حَقِيقِيًّا بِسَبَبِ جَرْحٍ قَدِيمٍ.
هَلْ تَقُولُ لَهُ: «اخْتَرْ، إِمَّا تُحِبُّهُ وَإِمَّا تَغْضَبُ مِنْهُ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ الاثْنَانِ»؟
بِالطَّبْعِ لَا.
لِأَنَّ الحُبَّ وَالغَضَبَ يَسْكُنَانِ مَعًا فِي كَثِيرٍ مِنَ القُلُوبِ، وَهَذَا لَيْسَ ضَعْفًا وَلَا تَنَاقُضًا، بَلْ هُوَ طَبِيعَةُ الإِنْسَانِ الكَامِلِ.
الإِيمَانُ وَالشَّكُّ يَعِيشَانِ أَحْيَانًا جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ.
الإِيمَانُ هُنَا لَيْسَ يَقِينًا رِيَاضِيًّا كَيَقِينِكَ بِأَنَّ اثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ أَرْبَعَةٌ.
هُوَ الاسْتِعْدَادُ لِلمَضِيِّ قُدُمًا رَغْمَ عَدَمِ اليَقِينِ، وَالثِّقَةُ بِشَيْءٍ لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ المَادِّيِّ الصَّارِمِ، مَعَ الاعْتِرَافِ فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ بِأَنَّ هَذِهِ الثِّقَةَ لَيْسَتْ يَقِينًا مُطْلَقًا.
صَمَتَ سَامِرٌ.
نَظَرَ إِلَى الضَّوْءِ الخَافِتِ الَّذِي يَتَسَلَّلُ مِنَ النَّافِذَةِ الضَّيِّقَةِ.
كَانَ ثَمَّةَ شَيْءٌ فِي مَا قَالَتْهُ يُشْعِلُ شَيْئًا مَا فِي دَاخِلِهِ.
قَالَ:
ـ هَذَا يُشْبِهُ مُشْكِلَتِي تَمَامًا مَعَ يَوْمِي المَفْقُودِ.
لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَاذَا حَدَثَ.
لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ مَا أَذْكُرُهُ حَقِيقِيًّا أَمْ مُجَرَّدَ صَنِيعَةِ عَقْلٍ يَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى فِي فَرَاغٍ.
لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّ لِذَلِكَ اليَوْمِ مَعْنًى مَا، حَتَّى دُونَ مَعْرِفَةٍ كَامِلَةٍ، حَتَّى دُونَ دَلِيلٍ، حَتَّى دُونَ أَنْ أَسْتَطِيعَ أَنْ أُثْبِتَ لِنَفْسِي قَبْلَ غَيْرِي أَنَّ مَا أَشْعُرُ بِهِ لَيْسَ وَهْمًا.
أَوْمَأَتِ الرَّاهِبَةُ بِرَأْسِهَا إِيمَاءَةً بَطِيئَةً مَلِيئَةً بِالتَّفَهُّمِ، كَمَنْ يَرَى فِي كَلَامِ غَيْرِهِ مَا عَاشَهُ هُوَ نَفْسُهُ بِلُغَةٍ مُخْتَلِفَةٍ:
ـ رُبَّمَا هَذَا هُوَ الدَّرْسُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ مَا أَعِيشُهُ وَمَا تَعِيشُهُ.
لَسْنَا مُضْطَرِّينَ أَنْ نَنْتَظِرَ يَقِينًا كَامِلًا قَبْلَ أَنْ نَمْنَحَ شَيْئًا مَعْنَاهُ وَاهْتِمَامَنَا.
يُمْكِنُنِي أَنَا أَنْ أَكْتُبَ هَذِهِ الرُّؤَى بِصِدْقٍ وَأُشَكِّكَ فِيهَا فِي نَفْسِ الوَقْتِ، وَأَمْنَحَهَا مَعَ ذَلِكَ قِيمَةً حَقِيقِيَّةً.
وَيُمْكِنُكَ أَنْتَ أَنْ تَحْمِلَ يَوْمَكَ المَفْقُودَ بِصِدْقٍ، وَتَشْعُرَ بِثِقَلِهِ، وَتَمْنَحَهُ اهْتِمَامَكَ الكَامِلَ، حَتَّى دُونَ أَنْ تَعْرِفَ كُلَّ تَفَاصِيلِهِ بِدِقَّةٍ مُتَحَقَّقَةٍ.
الانْتِظَارُ لِلْيَقِينِ قَبْلَ مَنْحِ المَعْنَى هُوَ أَحْيَانًا طَرِيقَةٌ أُخْرَى لِلْقَوْلِ: «لَنْ أَمْنَحَ أَيَّ شَيْءٍ مَعْنًى أَبَدًا».
لَأَنَّ الحَيَاةَ، فِي طَبِيعَتِهَا الأَعْمَقِ، لَا تُوَزِّعُ اليَقِينَ بِسَخَاءٍ.
قَالَ سَامِرٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الصَّفَحَاتِ المُتَرَاكِمَةِ عَلَى المِنْضَدَةِ:
ـ مَاذَا تَكْتُبِينَ بِالضَّبْطِ؟
مَا الَّذِي رَأَيْتِيهِ وَتَحَاوَلِينَ الإِمْسَاكَ بِهِ بِالكَلِمَاتِ؟
أَشَارَتِ الرَّاهِبَةُ إِلَى الصَّفَحَاتِ المَكْتُوبَةِ بِعِنَايَةٍ حَانِيَةٍ كَعِنَايَةِ أُمٍّ بِطِفْلٍ:
ـ أَكْتُبُ عَنْ رَحْمَةٍ إِلَهِيَّةٍ تَفُوقُ كُلَّ مَا تَعَلَّمْتُهُ فِي الكَنِيسَةِ عَنِ الْعِقَابِ وَالْخَطِيئَةِ.
لِأَنَّ مَا يُعَلِّمُهُ رِجَالُ الدِّينِ فِي زَمَنِي هُوَ أَنَّ اللَّهَ حَكَمٌ صَارِمٌ يَزِنُ الذُّنُوبَ بِمِيزَانٍ لَا يَرْحَمُ.
لَكِنَّ مَا رَأَيْتُهُ فِي رُؤَايَ كَانَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا:
رَأَيْتُ أَنَّ الأَلَمَ نَفْسَهُ، مَهْمَا بَدَا قَاسِيًا وَعَسِيرًا وَبِلَا سَبَبٍ وَاضِحٍ، لَيْسَ بِلَا مَعْنًى.
رَأَيْتُهُ جُزْءًا مِنْ نَسِيجٍ أَكْبَرَ مِنَ الحُبِّ، نَسِيجٌ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرَاهُ كَامِلًا مِنْ مَوْقِعِنَا المَحْدُودِ، كَمَا لَا يَرَى الدُّودُ الَّتِي تَحْفُرُ فِي التُّرَابِ مُعْجِزَةَ الغَابَةِ الَّتِي يُغَذِّي تُرَابُهَا جُذُورَهَا.
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَتْ بِصَوْتٍ أَخَفَضَ:
ـ هَذَا يَعْنِي أَنَّ الإِنْسَانَ حِينَ يُعَانِي وَلَا يَفْهَمُ لِمَاذَا، لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مَنْسِيٌّ أَوْ مُعَاقَبٌ.
رُبَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْهُ وَمِنْ فَهْمِهِ.
قَالَ سَامِرٌ:
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَهُ لِي الحَاخَامُ الَّذِي قَابَلْتُهُ، عَنِ الإِيمَانِ وَسْطَ المُعَانَاةِ.
نَظَرَتِ الرَّاهِبَةُ إِلَيْهِ بِاهْتِمَامٍ وَاضِحٍ:
ـ لَا أَعْرِفُ مَنْ هَذَا الحَاخَامُ، وَلَا مَتَى عَاشَ، وَلَا كَيْفَ وَصَلَ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ.
لَكِنَّ هَذَا يُؤَكِّدُ فِيَّ شَيْئًا لَطَالَمَا أَحْسَسْتُهُ:
أَنَّنَا، حِينَ نَلْمِسُ أَعْمَاقَنَا الإِنْسَانِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ، نَصِلُ إِلَى حَقَائِقَ مُشْتَرَكَةٍ تَعْبُرُ الحُدُودَ وَالأَدْيَانَ وَالأَزْمِنَةَ.
رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وَامْرَأَةٌ مَسِيحِيَّةٌ، عَبْرَ مَسَافَاتٍ وَقُرُونٍ ربما تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، يَصِلَانِ إِلَى الفِكْرَةِ ذَاتِهَا بِطَرِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ تَمَامًا.
أَلَيْسَ هَذَا وَحْدَهُ يَقُولُ شَيْئًا مُهِمًّا عَنْ طَبِيعَةِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ؟
أَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكًا لِدِينٍ بِعَيْنِهِ وَلَا لِثَقَافَةٍ بِعَيْنِهَا، بَلْ هِيَ شَيْءٌ يَسْكُنُ فِي قَلْبِ التَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهَا؟
سَكَتَ سَامِرٌ، ثُمَّ سَأَلَ سُؤَالًا كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي الطَّرْحِ:
ـ هَلْ تَخَافِينَ أَنْ تُتَّهَمِي بِالهَرْطَقَةِ؟
فِي زَمَنِكِ، وَبِمَا تَكْتُبِينَهُ مِنْ أَفْكَارٍ تُخَالِفُ مَا يُعَلِّمُهُ رِجَالُ الكَنِيسَةِ، أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ يَعْنِي مُجَرَّدَ انْتِقَادٍ.
كَانَ أَحْيَانًا يَعْنِي عَوَاقِبَ لَا يَخْتَارُهَا أَحَدٌ بِإِرَادَتِهِ.
وَالمَرْأَةُ فِي خُصُوصٍ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ أَشَدَّ هَشَاشَةً مِنَ الرَّجُلِ.
ظَهَرَ فِي عَيْنَيِ الرَّاهِبَةِ لَحْظَةً شَيْءٌ يُشْبِهُ الخَوْفَ الحَقِيقِيَّ، خَوْفٌ لَيْسَ مُتَصَنَّعًا وَلَا مُبَالَغًا فِيهِ، بَلْ هُوَ خَوْفُ مَنْ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَا يَخَافُ مِنْهُ وَعَلَى مَاذَا:
ـ نَعَمْ.
أَخَافُ.
أَكْتُبُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ.
أُحَاوِلُ أَنْ أَصُوغَ كَلِمَاتِي بِطَرِيقَةٍ لَا تَتَعَارَضُ صَرَاحَةً وَمُبَاشَرَةً مَعَ تَعَالِيمِ الكَنِيسَةِ الرَّسْمِيَّةِ، حَتَّى وَأَنَا أَحْمِلُ فِي أَعْمَاقِي أَفْكَارًا قَدْ يَرَى فِيهَا بَعْضُ رِجَالِ الدِّينِ خُرُوجًا عَلَى مَا يَعْتَبِرُونَهُ ثَوَابِتَ.
هَذَا تَوَازُنٌ صَعْبٌ جِدًّا يَا سَامِرُ.
أَنْ تَكُونَ صَادِقًا مَعَ مَا يَسْكُنُكَ فِي الدَّاخِلِ، وَأَنْ تَحْمِيَ نَفْسَكَ مِنَ الخَارِجِ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ.
أَنْ تَجِدَ كَلِمَاتٍ تَقُولُ الحَقِيقَةَ دُونَ أَنْ تَقُولَهَا كُلَّهَا، أَنْ تَفْتَحَ بَابًا دُونَ أَنْ تُكْسِرَهُ.
قَالَ سَامِرٌ وَهُوَ يَشْعُرُ بِثِقَلِ مَا تَقُولُهُ:
ـ هَذَا يَبْدُو عِبْئًا ثَقِيلًا.
أَنْ تَعِيشِي كُلَّ يَوْمٍ بَيْنَ مَا تَرِيدِينَ قَوْلَهُ وَمَا تَسْتَطِيعِينَ قَوْلَهُ.
نَظَرَتِ الرَّاهِبَةُ إِلَيْهِ بِحُزْنٍ هَادِئٍ لَا يَشْكُو، بَلْ يَقْبَلُ وَيَفْهَمُ:
ـ هُوَ كَذَلِكَ.
لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ الكِتَابَةَ نَفْسَهَا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُكَبَّلَةً بِحَذَرٍ مَفْرُوضٍ، أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ المُطْلَقِ.
الأَجْيَالُ القَادِمَةُ، إِنْ وَصَلَتْهَا كِتَابَاتِي يَوْمًا مَا، سَتَجِدُ فِيهَا بَذْرَةَ حَقِيقَةٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنِ الحَقِيقَةُ كَامِلَةً وَعَارِيَةً.
البَذْرَةُ تَكْفِي.
البَذْرَةُ فِيهَا مِنَ الحَيَاةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي زَهْرَةٍ مَنْحُوتَةٍ مِنَ الحَجَرِ كَامِلَةً وَمَيِّتَةً.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ يَمْتَزِجُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الحُزْنَ، إِعْجَابٌ بِشَجَاعَةٍ لَيْسَتْ شَجَاعَةَ البَطَلِ الَّذِي لَا يَخَافُ، بَلْ شَجَاعَةَ مَنْ يَخَافُ تَمَامًا وَيَمْضِي رَغْمَ ذَلِكَ.
قَالَ:
ـ شُكْرًا لَكِ.
عَلَى صِدْقِكِ.
وَعَلَى مُشَارَكَتِي هَذَا الصِّرَاعَ الدَّاخِلِيَّ الَّذِي لَمْ تُخَفِّفِيهِ وَلَمْ تُجَمِّلِيهِ.
ابْتَسَمَتِ الرَّاهِبَةُ ابْتِسَامَتَهَا الأَخِيرَةَ، وَأَمْسَكَتْ قَلَمَهَا مِنْ جَدِيدٍ بِيَدِهَا الَّتِي لَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ ارْتِجَافًا خَفِيفًا، وَبَدَأَتْ تَكْتُبُ دُونَ أَنْ تَنْتَظِرَ أَنَّ الارْتِجَافَ سَيَتَوَقَّفُ.
قَالَتْ وَعَيْنَاهَا عَلَى الوَرَقِ:
ـ اذْهَبْ الآنَ يَا سَامِرُ.
وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا:
لَا تَنْتَظِرْ يَقِينًا كَامِلًا لِتَمْنَحَ مَعْنًى لِمَا تَحْمِلُهُ.
أَحْيَانًا، الصِّدْقُ مَعَ الغُمُوضِ نَفْسِهِ، مَعَ الشَّكِّ نَفْسِهِ، مَعَ السُّؤَالِ الَّذِي لَا يُجِيبُ، هُوَ أَصْدَقُ أَنْوَاعِ الإِيمَانِ وَأَشْجَعُهَا.
بَدَأَتِ الغُرْفَةُ الصَّغِيرَةُ تَتَلَاشَى ببُطْءٍ، كَمَا تَتَلَاشَى الأَحْلَامُ حِينَ تَقْتَرِبُ مِنَ اليَقْظَةِ، وَالنَّافِذَةُ الضَّيِّقَةُ الَّتِي كَانَتْ تُدْخِلُ ضَوْءَهَا الشَّاحِبَ أَخَذَتْ تَذُوبُ فِي الهَوَاءِ، حَتَّى وَجَدَ سَامِرٌ نَفْسَهُ فِي الرِّوَاقِ المَعْهُودِ مِنْ جَدِيدٍ، كَأَنَّ الغُرْفَةَ الحَجَرِيَّةَ وَكُلَّ مَا فِيهَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا طَبَقَةً رَفِيعَةً مِنَ الزَّمَنِ وُضِعَتْ فَوْقَ طَبَقَتِهِ هُوَ لَحْظَةً وَاحِدَةً ثُمَّ رُفِعَتْ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ فِي الرِّوَاقِ، كَعَادَتِهِ دَائِمًا، وَفِي يَدِهِ الأَشْيَاءُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي جَمَعَهَا سَامِرٌ مِنْ رِحْلَاتِهِ حَتَّى الآنَ، يُرَتِّبُهَا فِي الدُّرْجِ بِعِنَايَةٍ لَا تَخْلُو مِنْ طَقْسِيَّةٍ، كَأَنَّ لِكُلِّ قِطْعَةٍ مَكَانَهَا الوَحِيدَ الَّذِي يَلِيقُ بِهَا.
قَالَ العَجُوزُ:
ـ خَمْسَةُ فُصُولٍ أُخْرَى تَنْتَظِرُكَ فِي هَذَا المِحْوَرِ يَا سَامِرُ:
شَامَانٌ أَمَازُونِيٌّ، وَفَتَاةٌ هِنْدُوسِيَّةٌ، وَمُبَشِّرٌ مُخْطِئٌ، وَعَالِمَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَطِفْلٌ مُتَصَوِّفٌ.
هَلْ تُرِيدُ أَنْ نُوَاصِلَ الآنَ؟
أَمْ تَسْتَرِيحُ قَلِيلًا بَعْدَ ثِقَلِ هَذِهِ القَاعَاتِ؟
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الأَشْيَاءِ المُتَجَمِّعَةِ فِي الدُّرْجِ.
شَعَرَ بِثِقَلِهَا الرَّمْزِيِّ يَتَرَاكَمُ طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ فِي دَاخِلِهِ، كَأَنَّ كُلَّ قَاعَةٍ دَخَلَهَا تَرَكَتْ فِيهِ شَيْئًا لَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يَتْرُكَهُ هُوَ.
قَالَ:
ـ لِنُوَاصِلْ.
أَشْعُرُ أَنَّنِي أَقْتَرِبُ مِنْ فَهْمِ شَيْءٍ مُهِمٍّ.
شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ حَتَّى أَنَّنِي كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ.

متحف الأيام المفقودة 26

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *